خالد النجّار: تروبادور تونسي في المنفى (2- 3)

30 ديسمبر 2018
الصورة
(خالد النجّار مع لوران غسبار في باريس)
+ الخط -

شاعرٌ ومترجِم ورحّالة وناشر؛ أربعة أوصاف عامة، ربما لا تحيط بتجربة التونسي خالد النجّار، لما لها من خصوصية. مع ذلك، تبدو ضروريةً في هذا الحوار المطوّل الذي جرى في مدينة برشلونة التي يزورها للمرّة الخامسة. وفيه يتحدّث عن رؤيته للشعر مستعيداً بداياته الأولى، والهجرة والسياسة وفشل الدولة الوطنية.


■ ثمة قطيعة بين جيلكم وما سبقه. كيف تشكّلت رؤيتكم كجيل للقصيدة الحديثة؟
- كنّا جماعة لم تشكّل حلقةً. كنا مجرّد أصدقاء، وهو ما اصطُلح عليه بـ"شعراء السبعينات"؛ وهم جماعة رفضت الوضع الثقافي البائس. لكن كلّاً منهم خاض على طريقته مغامرة الشعر والحياة، لأن الشعر، كما تدري وأنت شاعر، يأتي من هناك، من تلك المساحات الغامضة في النفس، من ذاك المجال اللالغوي، من ليل الإنسان الأبدي، من ذلك المجهول الذي نتحرّك داخله.

كانت جماعةً من المثقّفين مكوّنة من بعض الأصدقاء تضمّ: بلقاسم التليلي الذي كنّا نسميه الأستاذ، وحبيب الزناد وهو الذي عرّفني على علي اللواتي وقد تعاشرنا فترة قبل أن يلتحق بوزارة الثقافة.

أتذكّر من الأصدقاء: عبد اللطيف كادة وصار اسمه الزبيدي، والسويلمي بوجمعة، وشاعر متصعلك اختفى الآن وآخر مرّة رأيته فيها كانت أوائل الثمانينات في قهوة قرب السوربون في باريس هو محمد الطمباري. حافَظ الطمباري على القصيد العمودي وكنا نناديه طمبريوس، وهو شاب جنوبي متّقد من قرية الشابي ويحلم بالشابي. أذكر منصف غشام وهو شاعر يكتب بالفرنسية. كتب أيامها قصيدة غنائية طويلة من أجمل الأشعار التونسية عنوانها " أكتب"، وكتب حسن المؤذن قصيدة بعنوان "قصيد مغلق لجسد مفتوح" وهي من أجمل النصوص.
بعد ذلك عرفت محمد الغزّي، والحبيب السالمي، وحسونة المصباحي، ومحمد رضا الكافي، وهشام القروي. في تلك الفترة، نقل علي اللواتي أشعار سان جون بيرس وترجم هشام القروي رفائيل ألبرتي وبدأت ترجماتي للوركا التي تمت أثناء القراءة.

أحببت حدوس محمد الغزي الشعرية وعذوبة قصائده القصيرة الغنائية، وعن طريقه التقيت بمنصف الوهايبي الذي يتميز بقاموسه الشعري الصافي، وربطتني صداقة عميقة بمحمد الحبيب السالمي، فهو في رأيي شاعر في بنيته العميقة وحسّه بالأشياء وبالعالم، خاصةً في قصصه القصيرة الأولى. أمّا حسونة المصباحي فكان شديد الاندفاع في اللغة وفي الحياة، يكتب القصة والشعر ويترجم ويسافر ويخوض المعارك باستمرار. وأذكر أني كنت أسمّيه وعل الجبال البرّي. عرفتُ عزّوز الجملي باقتصاده اللغوي، فهو قادر على رسم دراما في ثلاث كلمات. قصائده تذكّرني بشعر الفرنسي أوجين غيليفيك، ولكنه بعيد عن عالم غيليفيك.

أذكر كمال المدائني الذي كتب أجمل القصائد الغنائية، ولكنه ظلَّ بعيداً متوارياً وفياً لعزلته، وكان هناك شعراء تونسيون في هذه الفترة يعيشون في المشرق العربي لم نكن نتواصل معهم، وقد كتبوا شعراً رائعاً. لا بد أن أذكر منهم محمد الخالدي، ومحمد الكنائسي الذي عرفته في القيروان قبل أن يسافر إلى دمشق، وهو ما يزال يعيش في سورية، وأسماء أخرى لا أستحضرها، بحيث وكما ترى كان كلٌّ قد شق طريقه بشكل مستقلّ. لذلك أنت لن تجد ملمحاً جامعاً لهؤلاء الشعراء، إذ لم نكن نتحرّك كقبيلة شعرية.
كانت سنوات البوهيمية الجميلة... التسكع والصعلكة في مقاهي وشوارع تونس مع صديقي الأستاذ أبو القاسم التليلي. وقد ننزل إلى الجنوب، إلى قفصة حيث كان حسونة المصباحي يدرس الفرنسية، ونمر بالقيروان حيث نلتقي ببعض الأصدقاء.


■ عشتَ في الهامش؟
- ودفعتُ فواتير هذا الهامش: منعٌ من العمل، مضايقاتٌ واعتداءات المليشيات في الشوارع، واعتداء ناس محسوبين على الثقافة وتشويهٌ مستمر، وآخرها كان اعتداء البوليس في شارع بورقيبة. وفي اللحظة التي وضع فيها الكلبشات في رسغي قرّرت مغادرة تونس وهكذا غادرتها.

وطاردوني بوشاياتهم إلى كل بلد ومهرجان أُدعى إليه. أعلمني بذلك صديقي الشاعر الألماني يواخيمسارتوريوس، وأيضاً مدير "مهرجان طهران الشعري". أجل لم أكن معارضاً، كما لم أكن مع النظام. كنتُ وبكل بساطة إنساناً يفكّر بحرية ويتكلّم بحرية ومع هذا أهدروا حياتي.


■ هنا لا بدّ أن نتكلّم عن منور صمادح...
- في الحقيقة، من دفع الفاتورة الحقيقية ولم يعد يذكُره أحد، هو الشاعر الكبير منوّر صمادح الذي عايش حقبة النضال ضد الاستعمار، ثم وبعد الاستقلال، شاهد تغيُّر بورقيبة وتحوُّله من ضحية المستعمر إلى جلّاد لشعبه. كان شعار بورقيبة هو "الصدق في القول والإخلاص في العمل"، فكتب ساخراً:

"شيئان في بلدي قد خيّبا أملي
الصدق في القول والإخلاص في العمل".

أما عن بورقيبة، فكتب قصيدته الشهيرة، التي يقول فيها:

عهدي به جدا فكان مزاحا/ بدأ الضحية وانتهى سفّاحَا
من حرّر الأجساد من أصفادها/ عقل العقول وكبّل الأرواحَا
كان السجينَ فصار سجّاناً لها/ يا من رأى سمكاً غدا تمساحَا

بعدها غُيّب الشاعر، دُفع به إلى الجنون إلى أن مات.. فكنتَ تراه هائماً في شوارع تونس. عرفتُ منور وزرته في بيته في حمام الأنف ذات أمسية صيف. كان هناك عمر فضّة، المناضل اليوسفي، وأخذ منور العود وبدأ يعزف الأغنية التي كتبها ولحّنها وغنّتها - إذا لم تخنّي الذاكرة الفنانة نعمة - مضت السنون فإذا بي ألقاه صدفة في شارع الحبيب بورقيبة متبدّل السحنة بثياب متّسخة وعلامات الإرهاق الشديد بادية على وجهه. اقترب منّي، وقال بعض الجمل الغامضة، كما لو كان يحدّث نفسه، ثم مضى بعدها. علمت أن النظام نكّل به نفسياً كما فعل مع شقيق صالح بن يوسف الذي كنتُ أراه هو أيضاً هائماً في شوارع تونس بنظارتيه السميكتين وحذائه الواسع.

لم يكن منور صمادح الضحية الأولى. مات قبله الشاعر محمود بورقيبة، والفنان صالح الخميسي، وبعدهما الرسام حبيب بوعبانة الذي أُرهب هو أيضاً ومات حسرة، ولا أحد يذكرهم.

أقول لنفسي دائماً: إذا كان هذا حال الفنّانين، فما بالك بالمعارضة السياسية التي تعرّضت إلى عمليات قمع وتعذيب خيالي في حقبتَي بورقيبة وبن علي. عشتُ بعيداً عن المؤسّسات، لم ألتحق بـ"اتحاد الكتّاب التونسيّين" ولا بوزارة الثقافة ولا بأي من المؤسّسات والأحزاب. عشت كما أردت أن أعيش. ولم أنخرط في كاميز ول أديولوجي سترة المجانين أيدولوجية وكانت حرية باهضة كما هي الحرية دائماً.

أيضاً، أتذكّر تلك الأيام حين كنا نتصعلك بين مقاهي لونيفير وقهوة باريس في شارع بورقيبة ومقهى العباسية وقهوة الحاج علي وقهوة طاهر زنقة في باب سويقة، وقد أمرّ أحياناً على قهوة المغرب في شارع فرنسا، حيث كان للروائي الكبير بشير خريف مجلس كنتُ أغشاه من حين لآخر. كان خريف مثال الكاتب المستقل، لم ينخرط على الإطلاق لا في الحزب الحاكم ولا في اتحاد الكتّاب، وكان صديقاً حميماً للرسام التونسي زبير التركي الذي وضع رسوم رواية "حبك درباني" أي "حبك جنّني" التي أعتبرها من أجمل الأعمال العربية.

كانت تونس في تلك الأيام ما تزال تعبق ببقايا رائحة الحقبة الكولونيالية، ولم تتريّف بعد، كما هو الحال اليوم، حيث ازدادت عمراناً وازدادت ترييفاً. أتذكّر بشير خريف في عشايا آخر الربيع وسط مجلسه على رصيف قهوة المغرب في شارع فرنسا تحت ظلال أشجار الجاكراندا بجبّته البيضاء القمرايا والسبسي غليونه القصبي الطويل بحجارته الفضية التي يحشوها بتبغ يأتي به من بلاد الجريد فيما أظن، أتذكّر ابتسامته النبيلة ولطفه وحذره في مخاطبة الآخرين. ظل هو أيضاً مهمّشاً إلى أن ذكره الطيّب صالح في إحدى حواراته كأحد أهم الروائيين العرب، ولحظتها انتبه إليه التونسيون وبدأوا بالاهتمام بعمله.


■ حدّثنا عن فترة السبعينيات تلك؟
- كانت فترة مُحتمّة، فترة غليان... صعود يسار رومانسي مفصول عن الواقع وتحديث بورقيبي كولونيالي هو أيضاً مفصول عن وجدان الشعب… رغم ادعاءات الآلة الإعلامية، فالرجل يطلب من الناس الإفطار في رمضان ويستهين بالنبي وبعقائد الناس على وجه العموم، ويتحدّث في خطبه عن خصيتيه، وهذا الأمر غريب عن وجدان الشعب التونسي. وكان هناك اندفاع نحو حداثة أدبية هي نقل أكثر منها إبداعاً. كانت الرواية الحديثة الفرنسية والأدب التجريبي الفرنسي هما النموذج لكتّاب القصة القصيرة. كان شيئاً شبيهاً بدور مجلّة "شعر" في لبنان. كانت حداثة تجريدية، حداثة فوقية مستوردة، دعوة أيدولوجية للتجديد ولم تكن ممارسة فعلية للجديد. كان الأمر انفتاحاً على الآخر ونقل عنه، وكانوا يهاجمون التقليديّين الذين يتّخذون التراث نموذج نقل ينسجون على منواله كما يُقال، ونسوا أنهم هم أيضاً في الاتباع والنقل والنسج على المنوال، ولكن من النص الغربي. طبعاً ثمة استثناءات، لعل أعمال الرائد بشير خريّف ومن بعده حسن نصر وصالح الجابري كانت نواة لنص مرتبط ومعبّر عن أعماق المجتمع، عن واقعه وأوهامه وأساطيره، لأن العمل الأدبي عامّةً، والروائي على وجه الخصوص، هو محصّلة تركيبة كيماوية تتشكّل في أعماق الكاتب لمجتمع بلغته وتاريخه وأساطيره وصراعاته.

الروائي أشبهه بالموسيقى. إنك لا تستطيع أن تكون حداثياً كما يقولون باستعارة أصوات الآخرين. لا بد وأن تغنّي أغنيتك وبصوتك، ولكن لم يكن ذلك الانفتاح كلّه سلبياً، فقد جعل الكاتب التونسي يغادر قوقعته الثقافية والفكرية ويحاول التواصل مع تجارب الآخرين.


■ وماذا عن تيار الحداثة في تونس؟
- الحقيقة أن الريادة تعود لمحمود المسعدي الذي استبطن الفلسفة الوجودية وأدخل في التداول أسماء سورين كيركغارد وشوبنهاور وسيلين، ثم تقلّد المسعدي الوزارة وصمت. لكن عز الدين المدني كان دينامو تلك الحقبة، وهو الذي فتح النص الأدبي في تونس على رياح العالم، بيد أنه كان في الآن تعبيراً قوياً على ذاك الاندفاع نحو التغريب الذي شكّل شعار تلك الحقبة في السياسة والاجتماع وبناء الدولة، ولم يشذ الأدب عن هذا المنزع العام، فكانوا يرددون مقولات الأدب التجريبي وتنظيرات الرواية الجديدة (le nouveau roman) في غير أرضها وتاريخها. كانوا يعتقدون أنه يكفي أن تقلّد الغرب، ممثّلاً في فرنسا، حتى تصير حداثياً مثله، غير مدركين أن الثقافة لا تُستَورد لأنها إبداع ذاتي. وأن الحداثة الغربية كانت نتاج سيرورة تاريخية في أوروبا الغربية، سيرورة معقّدة منذ فجر النهضة في أواسط القرن الرابع عشر في إيطاليا، وأن الغرب مرّ بثورات كثيرة؛ فلسفية ودينية وعلمية واجتماعية وصناعية وتقنية، على امتداد القرون الخمسة الماضية. أمّا الحداثة لدينا، فقد كانت عملية نقل متعسّفة وفوقية، ولم تصدر عن تاريخنا ولم تكن من إبداعنا. مثلاً، وضعوا قوانين للمرأة منقولة بورق الكربون عن التشريعات الغربية، قوانين لا تتماشى مع الذهنية العربية الإسلامية للتونسي ولا مع نظام القرابة لديه. باختصار، كانت قوانين مستوردة نتج عنها مجتمع فاقد لتناغمه الثقافي، مجتمع مضطرب الهوية يعيش أزمة أخلاقية حادة، وكذلك كان الشأن في الميدان الفني والأدبي. كانت في الحقيقة حقبة سوداء. إضافة إلى ذلك، لم يكن هناك أيُّ نشاط ثقافي خارج مؤسّسة الحكم. كان بورقيبة ليبرالياً كما يدّعي ومؤسّسةُ حكمه ستالينية في جوهرها وتركيبتها وممارساتها، وليس في أيديولوجيتها. كان هناك ازدواج بين ما يقول وما يفعل.


■ يعني أن السياسة استولت على كامل الفضاء. هذا واقع كل بلداننا العربية...
- أجل، صحيح ما تقول. ولكن عندما أعود اليوم إلى تلك الحقبة، أرى الأشياء بأكثر وضوح، ككل الأحداث التي تمر بنا، والتي لا بدّ من مرور وقت طويل حتى نعيها ونراها بجلاء، ولا أقول نراها بالكامل فذاك أمر مستحيل. كانت فترة ازدهار ما سُمّي وقتها بالقومية التونسية، وهي دعوة انعزالية ليس هدفها تحقيق الذات بقدر ما هي موجّهة ضد المدّ القومي العربي المتجذّر في تونس، وموجّهة على وجه الخصوص ضد سياسات عبد الناصر في المنطقة خدمةً للحلف الغربي الذي جاء ببورقيبة إلى سدّة الحكم.

كانت نسخةً تونسية رديئة لأدبيات الانعزاليين اللبنانيّين. كانت معادية للعرب والعروبة، بل وللإسلام الذي هو جذر بل جوهر الهوية الشعبية، وكيف لا تكون كذلك وهي أيضاً وليدة الصراع الداخلي الذي خاضه بورقيبة في تلك الفترة ضد جماعة صوت الطالب الزيتوني الذين قدّموا عدداً كبيرا من الشهداء، وقد عرفتُ زعيمهم الشيخ البدوي بعد عودته من منفاه في باريس.

كان بورقيبة معادياً لليوسفيين والعروبيين عموماً، والتناقض الصارخ أن بورقيبة المعادي للعروبة نراه يدلي بدلوه في الشأن العربي، ويطالب مبكراً بالاعتراف بالكيان الصهيوني كما لو كان من عتاة العروبيّين.


■ كيف ذلك؟
- كان ذلك بتدبير من بيار منديس فرانس رئيس الوزراء الفرنسي، وهو يهودي صهيوني من أصول برتغالية، وكان صديقاً مقرّباً من ناحوم غولدمان وعضواً ناشطاً في المؤتمر اليهودي العالمي، وهو الذي ربط الصلة بين بورقيبة ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي آنذاك، وهناك صورة من أواسط الخمسينات يظهر فيها بورقيبة مجتمعاً مع غولدمان.

كانت دعوة بورقيبة إلى الاعتراف بالكيان وإلى التفاوض النواة الأولى لما توصّلوا إلى إنجازه في أوسلو. وهكذا ذهب إلى أريحا وخطب في الفلسطينيين وطالبهم بالاعتراف بالكيان الصهيوني، وبيار منديس فرانس هو الذي رعى فيما بعد الاتصالات الأولى بين الفلسطينيين والصهاينة عندما نظّم لقاءات بين نعيم السرطاوي وعضو الكنيست الصهيوني لوفا الياف في شقته في الدائرة السادسة عشرة في باريس ثم في قصر أنفري الذي تملكه عائلة زوجته في منطقة البر وفانس جنوب فرنسا.

وقبلها، كان وراء تسليح الكيان الصهيوني بالسلاح النووي. وعندما أوقف الجنرال ديغول تصدير قطع الغيار للكيان ذلك الصيف، هاجم بيير منديس فرانس ديغول بكل عنف. ولم يلبث ديغول أشهراً حتى أجبره استفتاء على مغادرة الحكم.


■ هذا يعني أن تونس عرفت يميناً سياسياً شبيهاً بأيديولوجية حزب "الكتائب" في لبنان؟
- أجل، ولهما قواسم مشتركة؛ فقد نشآ في نفس الحقبة من ثلاثينيات القرن العشرين، والمفارقة أن كليهما متشبّه بفرنسا ثقافياً وروحياً وممثّلاً للمصالح الفرنسية، أي معادٍ للهوية التونسية التي هي عربية إسلامية.

وقد حاول هذا الموقف الانعزالي التونسي إيجاد تعبيرات له، فكانوا يتحدّثون عن قومية تونسية وحضارة تونسية بل لغة عربية تونسية في محاولة لعزل تونس عن محيطها العربي الإسلامي. ثمّ، لم يوضّحوا لنا لا متن هذه اللغة التونسية ولا نحوها وصرفها. وأكرّر المفارقة أن روحهم في باريس، والمفارقة الثانية أنهم هم من تنكّر للهوية التونسية بدعوتهم لتحديث هو تخريب للهوية. كانت مجلة "الفكر والاسم" تقليد لمجلة (ESPRIT) الفرنسية، هي المنبر الذي عبّر على هذا المنزع، وكان صاحبها وسكرتير تحريرها ينتميان للحزب الحاكم، بل كانا لسانه الثقافي في سنوات القمع تلك السوداء.

لا أفهم كيف يكون المثقّف عميلاً لسلطة، أيّاً كانت ومع تكميم الأفواه ويحافظ في الآن على حريته وعقله النقدي. والبديهة تقول إن لا إبداع بلا حرية، لأن الحرية هي جوهر الفكر على مدى العصور.

وهكذا، ظهر كتاب يتحدّث عن الشخصية التونسية بشكل أيديولوجي، والمفارقة الأخرى أن صاحبه كتبه بلغة عربية إنشائية تغلب عليها الكليشيهات، ولم يكتبه باللغة التونسية التي يدعو إليها. ويقوم هذا الكتاب على محاولة إيجاد ملامح خاصة لما يسمونه القومية التونسية وابتداع هوية للتونسي غير هويته، هوية على مقاس الخيارات السياسية لبورقيبة، هوية تعزله عن بقية العرب.

بل كانوا يجاهرون بأنهم ليسوا عرباً، بل وتركوا هذا المرض في الأجيال التالية. وعندما يذكرون العرب والعروبة فهم يذكرونهما بكثير من الازدراء، بل الحقد والتعالي الكولونيالي، أي أن حس الدونية الذي كانوا يشعرون به إزاء سيّدهم الفرنسي يعيدون إنتاجه إزاء شعبهم، وهو شيء شبيه بمتلازمة أستوكهولم؛ حيث يتبنّي الضحية موقف الجلّاد... بل وصل بهم الأمر إلى التشفّي في العرب وفي عبد الناصر بعد هزيمة حزيران، ووضعوا أغاني كلّها شماتة في الهزيمة وسخرية من عبد الناصر وأمين الحافظ ومن الجيش المصري الذي كان يحترق في سيناء والإذاعة التونسية تصدح بهذه الأغاني التي ما تزال في ما أعتقد في أرشيفاتها. أن تختلف مع عبد الناصر شيء وأن تتشفّى في هزيمة أمّة تنتمي إليها فذاك شأن آخر يدل على أزمة أخلاقية.


■ ما هو هذا الكتاب الذي أشرت إليه؟ يبدو أننا لا نعرفه في المشرق العربي...
مع يانيس ريتسوس في أثينا- جيّد أنكم لا تعرفونه؛ فالكتاب فضيحة بكل المقاييس. إنه كتاب "الشخصية التونسية" من وضع بشير بن سلامة. لم يكن الرجل وهو من الحزب الحاكم يدرك أن الحدود السياسية لا تتطابق مع حدود الهويات وهي في حالتنا العربية حدود متعسّفة، فأنت تجد العائلة الواحدة قسمٌ منها داخل الحدود والثاني خلفها. وهذا شائع عندكم في بلاد الشام، لأن هذه الحدود وضعها الاستعمار وهي انعكاس لتاريخ الغرب فوق أرضنا، ولم تنشأ داخل تاريخنا، وأنها لا تتطابق مع حدود الهوية والقومية كما هو الشأن في دول أوروبا الغربية، والدليل الآخر هو أنك تجد أغلب هذه الحدود عبارة عن خطوط مستقيمة وُضعت بالمساطر في مكاتب ضبّاط جيش المشاة أو في وزارات الخارجية، كما هو الشأن عندكم عندما حدّد وزيرا خارجية فرنسا وإنجلترا الخريطة المسمّاة خريطة سايكس بيكو.

وهذا الرجل لا يعرف أن هناك هويات تقوم على مستويات متعدّدة، هو ما يُصطلح عليه "identité à plusieursniveaux"؛ فالتونسي هو تونسي وفي الآن عربي ومسلم له انتماء لكل هذه الحلقات، لأن الدولة القومية كما عرفتها أوروبا الغربية لم تظهر عندنا. الدولة القومية تشكّلت في أوروبا على امتداد قرون أربعة في تاريخ آخر مغاير لتاريخنا، وقد عمد الغرب الاستعماري إلى إيهام هذه الدول الناشئة بأنها قوميات، بل أوهم مجتمعات إثنية كالبربر في شمال أفريقيا والكرد في المشرق العربي بأنها قوميات، وهي في حقيقتها إثنيات وهويات ثقافية، وليست كيانات قومية. وهم في فرنسا يحاربون القوميّين الباسك وسكّان جزيرة كورسكا وقبلهما البروطون في شمال فرنسا. وفي بلجيكا يرفضون انفصال الفلاندر. وفي المملكة المتّحدة لا يريدون انفصال أيرلندا، وفي إسبانيا لا يريدون انفصال كاتالونيا، وتراهم في الآن يشجعون الأكراد والبربر وغيرهم من الإثنيات على الانفصال وتفكيك كياناتنا وذلك منذ دخول الاستعمار إلى بلداننا.

لا يزال الناس يذكرون إعلان فرنسا الظهير البربري في المغرب وكيف رفضه العرب والبربر. واليوم أوجدوا لهم اسماً جديداً، هو الأمازيغ الذي جاء به المستشرقون. ولو أن الاسم صحيح ولكن غير مصطلح عليه. البربر اسم متداول منذ أكثر من ألفي سنة، فكيف يتغيّر اليوم؟ وهل تستطيع أن تغيّر اسم الصينيّين أو الرومان أو العرب وتمنحهم اسماً آخر؟ أو تغيير اسم الأرمن أو الرومان أو الإغريق بعدما استقر آلاف السنين؟

لقد أوهموهم خاصة في الجزائر والمغرب أن كلمة بربر إهانة، في حين أنه اسم علم وليس صفة، والاسم متداول منذ أكثر من ألفَي سنة، ومؤرّخونا يقولون البربر، فابن خلدون، مثلاً، يذكرهم تحت هذا الاسم ويشبّههم في عراقتهم ونبلهم بالفرس، وكذلك صاحب كتاب "محاسن البربر".

والغريب أن الدعوة للبربرية إنتاج استعماري استشراقي جاء بضاعة معلّبةً من فرنسا. أجل نحن البربر، لنا هويتنا ولغتنا مثل العرب، ونحن متمازجان. أمّا التوظيف السياسي التخريبي لتفكيك البلدان، فتلك جريمة استعمارية، وهذه الدول الاستعمارية العريقة في استعماريتها آخر من يتحدّث عن انعتاق الشعوب. بل المفارقة أن شعار التحرير هذا أحد وسائل إعادة الهيمنة الاستعمارية في شكلها الجديد، كما أن الإنسان في المشرق العربي أشورياً كان أو قبطياً أو سريانياً أو شيعياً أو سنياً ينتمي أيضاً لهذا الكيان السياسي الجامع الذي اسمه العروبة والإسلام، وحتى المسيحي العربي هو ممتزج بالإسلام ثقافياً. لقد عمل الغرب على تفتيت هذه المنطقة من يوم إسقاط الدولة العثمانية وتقاسم ممتلكاتها، والآن انطلقوا إلى تفتيت المفتّت، فهم يمدّون بالسلاح كلّ من هب ودب ويصنعون الفتن. المهم هدم هذه الكيانات بكل الأسلحة المتاحة، بالفيروسات الثقافية والأخلاقية وبشراء العملاء وإغراء السياسيين للوصول لسدّة الحكم، بحيث يتمّ الإجهاز على هذه البلدان بسواعد أبنائها.


■ عمّا يتحدّث هذا الكتاب وما هدف صاحبه؟
- طبعاً، الهدف منه سياسي، ويتشكّل الكتاب من تجميعٍ لبعض المقالات نشرها صاحبها مسلسلةً في مجلة "الفكر". أذكر من بين خصائص العبقرية التونسية التي اكتشفها صاحبه هي ميل التونسي إلى التعلّم وطلب المعرفة، كأن الشعوب الأخرى لديها ميل إلى الجهل وعزوف عن المعارف. يكتظ الكتاب بترّهات أخرى من هذا القبيل يطول ذكرها وشرحها.


■ وماذا عن الشعر؟ لقد ابتعد بنا الحديث عنه...
- الكل مترابط. وفي نفس هذا السياق الانعزالي، أوجدوا من عدم مدرسةً شعرية تونسية أطلقوا عليها "في غير العمودي والحر". لأوّل مرّة يقع التعريف بالنفي، كما لو أنك تريد تعريف القطار فتقول هو ليس سيارة ولا طيارة. طيّب هو ماذا؟ صحيح لم يعد أحد يذكر كلّ هذه الترّهات ولا ذلك الكتاب الذي صيغ بلغة إنشائية ركيكة. ولكن هذا هو المناخ الثقافي الذي وجدنا أنفسنا فيه.

كان أفق شعراء هذا المنزع لا يتجاوز جاك بريفير ولويس أراغون. وقد كتبوا أشعاراً بلغة هجينة لا هي فصيحة ولا هي عامية، لغة أطلقوا عليها اللغة التونسية وهي صيغة تونسية كما سبق وذكرت لأيديولوجية الانعزاليين اللبنانيين في دعوتهم الفجّة لما يسمّونه الحكي اللبناني، عندما بدأ والمفارقة أن أجداد هؤلاء الانعزاليين اللبنانيين كانوا هم بناة العروبة الحديثة، والحق يقال كانت لغة هذا الكتاب ركيكة إلى أبعد حدود، كما هي لغة مجلة "الفكر".

كان صالح القرمادي أحسن المعبّرين عن هذا الاتجاه الثقافي، وإن كان الرجل مناضلاً تقدّمياً ومعارضاً للنظام البورقيبي، ولكن كان له نفس التوجّه الثقافي الانعزالي والشوفيني التونسي، ومعاداة كل ما هو عربي وتقديس كل ما يأتي من فرنسا. وهذه الحالة عامّة يشترك فيها الفرنوكفونيون العرب من لبنان والمغرب العربي المصابون بعصاب المستعمر بفتح الميم الأخيرة.

من أعراض هذا العصاب مقت الذات واحتقارها وتقديس كل ما يأتي من فرنسا والاستعلاء الكاذب على بقية العرب، والذي تلمسه لدى كثير من اللبنانيين والمغاربة إجمالاً، وقد وضع الكاتب اليهودي الفرنسي من أصل تونسي ألبرت ممي كتاباً عدّد فيه تفاصيل أعراض مرض الشخصية الكولونيالية ومدى هوانها واحتقارها لنفسها.

ترك القرمادي مجموعة شعرية عنوانها "اللحمة الحيّة". وبهذا الديوان مقطع شعري ما أظن العرب قالت أسوأ منه، ولشدّة سوئه فقد علق بالنفس ورسخ في الذاكرة؛ إذ يقول: "أحبّ حبيبتي كلحمة علّوش على كسكسي"، ما ترجمته: "أحب حبيبتي مثلما أحب لحمة الخروف فوق طبق الكسكسي". هكذا وصل الحال باللغة العربية في تونس بعد حوالي ثلاثين سنة فقط على غياب الشابي الذي هو خرّيج الزيتونة.

ولكن اليوم ثمّة جيل آخر في تونس استعاد التقليد الزيتوني الذي انحدر منه الشابي وطوّره. تقرأ في تونس نصوصاً بلغة عربية مضيئة لا علاقة لها بترّهات اللغة التونسية المزعومة؛ إذ ثمّة فقط لهجات دارجة تونسية موزّعة حسب المدن والأرياف، وحتى هذه اللهجات هدموها. واللغة التي يكتب بها الجيل الجديد هي عربية حديثة جميلة لا عجمة فيها سوى بعض الاستثناءات من المدرّسين الذين لا شأن لهم... ورثة بورقيبة ومجلّة "الفكر".


■ أنت تُحدّثني عن سياسة الدولة، لكن ماذا عن الحركة الثقافية؟
- الحركة الأدبية والثقافية إجمالاً لم تشذ عن هذا الوضع. وأيضاً لأن السياسة كانت تستحوذ على كامل الفضاء، كما هو الشأن في البلدان حديثة العهد بالاستقلال. وبذلك، أَفسدت الحياةَ الثقافية كما ذكر مرّة محمود المسعدي في حديث خاص.

ثم من المستحيل إيجاد حياة عقلية في مناخ الحزب الواحد، وكلّ ما كان هو ديكور ثقافي تسهر عليه وزارة الثقافة التي مهمّتها الأساسية تنظيم ما يُسمى بالعكاظيات، وهي حفلات أعياد ميلاد بورقيبة التي كانت تستمر قرابة شهر كامل.

في هذا المناخ الذي طغى عليه خطاب شوفيني وثقافة رسمية انعزالية وثقافة تطبيل وتأليه للزعيم الأوحد ومعارضة يسارية كان لها موقف جدانوفي (نسبة إلى الكاتب الستاليني جدانوف) من الإبداع، وكيف لا وقد كان أنور خوجة هو منظّرها وإذاعة "تيرانا" مصدر أخبارها وتحاليلها. كان تقييم النصوص وتصنيفها لدى هؤلاء أيديولوجياً محضاً؛ فالنصوص الجيدة هي الملتزمة مهما كان مستواها هابطاً... تلك التي تتحدّث عن الشعب والنضال بشكل مباشر، وأمّا البقية فهي نصوص رجعية.

هكذا، وحسب هؤلاء، فإن المتنبي وطه حسين وإليوت وسان جون بيرس رجعيون ولا قيمة لهم. وقد أطلقوا علينا أيامها تسمية "الشعراء الكونيين"، وإلى هذه اللحظة لم أفهم معنى أن يكون الإنسان شاعراً كونياً أو قروياً!

كانوا أيضاً عدوانيّين، فكان كلّ من يخالفهم يعتبرونه "بوليس". وقد كوّنوا منظّمة شيوعية اسمها "العامل التونسي" يقصدون الكادح، وهي مشكّلة من طلبة وأساتذة ولم يكن بينهم كادح أو عامل واحد، بل إن أغلب العمّال كانوا مساندين للحزب الحاكم.

هم عصب المليشيات البورقيبية، فإذا ما خرج هؤلاء إلى الشوارع جاءهم عمّال الرصيف من البروليتاريا التي يتكلّمون باسمها وأشبعوهم ضرباً في مشاهد تذكّرك بشريط "زاد" لكوستا غافراس. هكذا كان المشهد نظام موالٍ للغرب في سياساته الخارجية على آليات تحكّم ستاليني في الداخل: الحزب الواحد واللجنة المركزية ولجان التنسيق الحزبي المبثوثة في الأرياف والجاثمة مع الحرس الوطني على صدور الفلاحين. باختصار، نظامٌ هو مزيج قاتل من إقطاع سياسي وستالينية بدوية، وفي الجانب الآخر يسار مراهق له عقلية ريفية في أغلبه الأعم، ولم يكن أمامك سوى الهامش وأن تتلقّى الضربات من الطرفَين.


■ إذن، اجتمعت عليكما السلطة والمعارضة؟
- أجل فهما متشابهان، ولهما نفس الملامح. غالبية المعارضات في بلداننا لها نفس ملامح السلطات التي تحاربها. انسَ يا عزيزي الأيديولوجيا. المصالح هي التي تتحكّم في آليات التاريخ ومفاصله، وهذا التشابه جعل كثيراً منهم في ما بعد ينخرطون بسلاسة في منظومة الحكم.

صار كثير من قادة اليسار المعروفين بوليس بن علي وعينه على الحركات الإسلامية في أوروبا وآسيا، وقد كتب مرّةً أحدُ زعمائهم أن لزين العابدين بن علي فلسفة تاريخية شبيهة بالهيغلية، أمّا فيلسوف تلفزيوني تونسي آخر، فكتب في جريدة "اليوم السابع" الفلسطينية التي كانت تصدر في باريس مشبّها محمد مزالي وكان أيامها وزيراً أول بسقراط... وشاعر كان يترجم ريلكة وهو فرنكوفوني وحداثي، يعني منبت لا جذور، له كتب سلسلة من الافتتاحيات في جريدته اليومية حول عبقرية بن علي في الحكم.

وأنت ترى تلك النماذج، تشعر بعمق أن هناك أزمة أخلاقية شاملة، وهكذا يجد المثقّف الحر نفسه محاصراً بشكل مزدوج من السلطة ومن المعارضة، والاثنان لهما رأي فيما تفكّر فيه وفيما تقوله وتكتبه.

أمّا أن تستقل برأيك وحياتك، فذاك شأن غير مقبول وهذا طبيعي داخل ثقافة تحكمها، ومنذ قرون، بنية الإجماع والمسايرة، وكلمة مارق في العربية لا تعني فقط الخارج عن الجماعة وإنما المرتكب ذنباً. والجماعة هي العائلة أو القبيلة أو الطائفة أو الحزب، لذلك فأنت ترى العرب وإلى اليوم إذا ما أسّسوا أحزاباً حديثة أو أي مؤسسات تسلّلت إليها سرّاً بنية القبيلة، لأن العلاقة الدموية ظّلت، ورغم التحوّلات التي طرأت على المجتمعات العربية، هي المحدّد الأوّل والأساسي لبقية العلاقات الأخرى.

وكان هشام شرابي شرح هذا في كتابه "مقدّمات لدراسة المجتمع العربي". ألم تر إلى غالب السياسيّين العرب، إذا لم أقل كلّهم، يأتون إلى السلطة بأقاربهم حتى أن انعقاد مجالس وزرائهم والتئام لجان أحزابهم تبدو وكأنها مناسبات عائلية من زواج أو ختان يجتمع فيها أفراد الأسرة.

وهذا أيضاً من بين العناصر التي فتحت اليوم الباب وسهّلت التدخّلات الأجنبية لتسعير الصراعات الداخلية وتحويلها إلى حروب أهلية تأتي على الأخضر واليابس، لأن ولاء العربي للقبيلة والعائلة والطائفة يطغى على ولائه للوطن، ورابطُ الدم لديه أقوى من رابط المواطنة، ولأن دولة الاستقلال لم تحارب القبلية والطائفية بل كرستها وعمّقتها باعتمادها عليها في مسك مقاليد الحكم.

كان بورقيبة يحارب القبلية والعروشية والجهوية في خطبه، بيد أن حكمه وممارساته كانت نقيض ما يقول. كان في الواقع عائلياً جهوياً، إذ كان أغلب وزرائه من قريته المستير والقرى المجاورة لها في منطقة الساحل. وكذلك الأمر مع زين العابدين بن علي الذي اعتمد على عائلته وأصهاره وأبناء قريته.

نحن ننتمي إلى ثقافة شعارها "الأقربون أولى بالمعروف". والحداثة في تونس شعار وليست واقعاً... ونحن اثنتا عشرة مليون من الأقارب والأصهار، وليس من المواطنين، وهذا ينسحب على كامل بلاد العرب سلطةً ومعارضةً.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب التوباد
من الصعب التصديق أن خالد النجار (1949) سيدخل عامه السبعين قريباً؛ فلا صخبه ولا شخصيته الفتية ومزاجه الناري وترحلاته الدائمة توحي بذلك. المثقف والمترجم والناشر، والشاعر قبل كل شيء، هو مثال على اجتماع الحس المناقبي النهضوي بنزعة الصعلكة بمعناها العربي القديم.

رغم أنه صاحب دار نشرٍ اختار لها اسم "التوباد"، في استعادةٍ للجبل الشهير في شبه الجزيرة العربية، إلّا أنه أصدر كتباً قليلة لنفسه وعن دور نشر أخرى، من بينها: مجموعته الشعرية "قصائد لأجل الملاك الضائع" (1990)، و"سراج الرعاة" (2014) وهو سلسلةٌ من الحوارات التي أجراها مع كتّاب وشعراء من العالم. وفي أدب الرحلة: "غبار القارات" (2009)، الذي نقل فيه مشاهداته خلال أسفارٍ إلى أميركا وكندا ومصر والجزائر ولبنان وإيطاليا واليونان.

نقل النجّار أعمالاً لشعراء عرب يكتبون بالفرنسية إلى لغتهم الأم؛ مثل جورج شحادة: "السابح بحب وحيد" (2006)، وإتيل عدنان: "هذه السماء غائبة" (2008)، و"يوم27 تشرين الأول 2003"، و"يوم في نيويورك" و"الجمعة 25 آذار في الرابعة بعد الظهر".

كما أصدرت داره ترجماتٍ لعدد من الشعراء والكتّاب الأجانب إلى اللغة العربية؛ ضمن سلسلتَي: "القصيدة" و"المتون"؛ ومن أبرزهم: هنري ميشو، وبرنار نويل، وسان جون بيرس، وجون ماري لوكليزو، وآلان نادو، وإيف مزيار، وهنري ميلر.

دلالات

المساهمون