خارالامبوس كراسياس.. السنوات القبرصية الضائعة

28 مايو 2019
الصورة
(خارالامبوس كراسياس مع أعماله)

عندما يفقد الناس أرضهم وظلال أرواحهم المتعلّقة بالماضي، بالسلام، تعود إليهم أصوات الشغف، تُحاول أن تمسك بأياديهم، وتجرّب أن تعيش مجدّداً، تلك البيوت والأمكنة التي شربت من صبر عيونهم وضربات قلوبهم. ومن هنا يمكن الحديث عن شهادة في مأساة الحرب القبرصية عام 1974، والتي كانت موضوعاً ملهماً لخيال الفنان القبرصي خارالامبوس كراسياس (Charalampos Krasias) المولود عام 1958، في منطقة كونتياس بالجزء الشمالي من جزيرة قبرص.

ثمة مجموعة من خمس وأربعين لوحة استخدم فيها الفنان تقنية الطباعة بالحفر على الخشب، عبر اللونين الأبيض والأسود، تجتمع في معرض بعنوان "السنوات الضائعة" يحتضنه "بيت كونتياس الثقافي" (Spíti tis Kontéas) في مدينة لارنكا القبرصية منذ الثالث من مايو/أيار الجاري وحتى السادس والعشرين من يوليو/تمّوز المقبل.

تأخذنا رحلة استعادة التفاصيل من الذاكرة إلى دلالات حسيّة تعكس القسوة التي عايشها الفنان أيام الحرب. مشهد بقايا الكنائس، والمقابر المدمّرة، ومشاهد ما بعد التقسيم الذي تعرضت له قبرص، تُظهر الإحساس العالي الذي كان يسعى لتسجيله في مقترحه البصري.

والمفاجأة في الأمر أن كراسياس كان قد التحق بـ"مدرسة تعليم فن الطباعة بالحفر على الخشب" منذ العام 2013 فقط. لكن ذلك لم يؤخّره عن مواكبة موضوعة اللجوء وحجم القضية القبرصية التي تمتد منذ أربعين عاماً. حاول إعادة الناس التي مضت بملامحهم وفزعهم الروحي إلى الحياة.

تحمل الأفكار التي نشاهدها في اللوحات الكثير من الحنين إلى الماضي، وتكشف حجم التعلُّق بالذكريات، من خلال الوقوف على مواضيع الانتظار والوداع والتهجير والأمل وصور الحياة اليومية في القرى وجلسات الصباح. وأيضاً محاولة العودة إلى أشخاص كان لهم أثر كبير في الحرب؛ كالشهداء والشعراء آنذاك، وتجسيدهم في فكرة فنية مع أسمائهم.

هناك لوحات ترصد حالة اللاجئين القبارصة، والخيام الخائفة تحتضنهم، وحمامات الحرية تحلّق في السماء على إيقاع هروبهم من الموت، حيث نلاحظ أن اللوحات تتواصل مع بعضها أحياناً، كأنها سلسلة درامية لمشاهد توقّف عندها الزمن للأبد.

يعتمد الفنان على تعابير بسيطة في نقل مقولات عميقة، والتدقيق في رموز اللوحات، يُظهر لنا خارطة الجزيرة الحزينة وهي تراقب أبناءها من اللاجئين ورصاص الاجتياح يطاردهم. هناك الكثير من الأجساد التي ترفع أيديها بحثاً عن السلام. هناك أيضاً الوجوه ذات العيون الخائفة، تحدّق بالطيور من خلف القضبان، لا يحتاج المتلقّي إلى الكثير من الوقت من أجل الوصول إلى إحساس اللوحات وشخوصها القادمة من كوابيس الحرب.

كأنّ المعرض رحلة تفسّر الإيمان بالشعب وحقوق العودة إلى أرضه المفقودة. كل شيء كان يحتضن الأهالي في قرية الفنان التي تمثل شكلاً من أشكال النضال الشعبي، نشاهد حضوراً للمراعي والأشجار والنوافذ المكسورة. النداءات وصور الضحايا، وطقوس أعياد الميلاد والأمنيات بالخلاص.