حي البستان المقدسي يترقب الكابوس الإسرائيلي

حي البستان المقدسي يترقب الكابوس الإسرائيلي

21 اغسطس 2017
الصورة
أثناء هدم منزل المقدسي أبو حامد أبو اسنينه(العربي الجديد)
+ الخط -
لا يخفي المقدسيون من سكان حي البستان الواقع في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، قلقهم من أن تشهد الأيام أو الأسابيع المقبلة حملةً واسعةً من الهدم، تشمل عشرات منازل ومساكن المواطنين في هذا الحي. صحيح أن سكانه يخوضون صراعاً قضائياً مع الاحتلال الإسرائيلي وجمعياته الاستيطانية من أجل منع مشروع يهدف إلى اقتلاعهم من منازلهم، لكن هناك مخاوف جدية من إقدام الاحتلال على هدم ما يقرب من 100 منزل في الحي، لإقامة ما يطلق عليه "حديقة الملك" في المكان. ويرى سكان الحي أن الأمر يتعلق بأخطر مشروع قد ينفذ في قلب البلدة التي تتعرض منذ قبيل هبة الأقصى الأخيرة وبعدها، إلى أسوأ حملة من الدهم والاقتحام وعمليات الهدم واعتقال أبناء الحي.

وازدادت المخاوف لدى سكان حي البستان أخيراً، بعدما هدمت بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس منزل المواطن المقدسي أبو حامد أبو اسنينه. واعتبر السكان ذلك مؤشراً على سياسة جديدة تتبعها سلطات الاحتلال للاستفراد بمنازل المواطنين في الحي واحداً تلو الآخر، إذ لن تجرؤ على هدم كامل المنازل دفعةً واحدة، لأنها ستواجه غضباً شعبياً واسعاً وردود فعل محلية ودولية.

بعد هدم منزلها، باشرت عائلة أبو اسنينه بإزالة أنقاضه، لتبدأ اعتباراً من يوم الخميس، ورشة إعادة بنائه من جديد. ودعت المواطنين المقدسيين إلى أوسع حملة دعم وإسناد لتمكينها من تحقيق المهمة. ويلخص عضو لجنة الدفاع عن حي البستان، فخري أبو دياب، وهو أحد أصحاب المنازل المهددة بالهدم، قضية حي البستان في حديث لـ"العربي الجديد"، بالقول: "نحن نتحدث عن أكثر من 100 وحدة سكنية تلقت أوامر قضائية بالهدم، علماً بأن كل واحدة منها قد تسكنها أكثر من أسرة". وأشار أبو دياب إلى تلقي ثلاث عائلات مقدسية، يوم الأربعاء، ثلاثة إخطارات بالهدم في حي البستان. وأكد أن الحملة ضد الحي تندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي للمقدسيين، بعد الإنجازات الأخيرة والانتصار الذي حققه المقدسيون في هبة الأقصى الأخيرة، وهزيمة الاحتلال المعنوية وانكفائه وإزالة التعديات وتعطيل مخططه لتغيير وضع المسجد الأقصى، وفقدان حكومة الاحتلال هيبتها أمام جمهورها، وفق تعبيره.

وحتى نهاية عام 2016، بلغ عدد سكان حي البستان أكثر من ألف وخمسمائة نسمة. ولهذا الحي رمزية خاصة في مواجهة مخططات الهدم وضد سياسات بلدية الاحتلال في تدمير أحياء مقدسية وتحويلها لمشاريع أو مخططات لترويج "الرواية التلمودية"، وفق أبو دياب. أما رمزية حي البستان، فتتمثل في إفشال مخطط الاحتلال لهدمه طيلة هذه السنوات، في سابقة نادرة بالقدس، وفق قوله. وأضاف أن هناك الكثير من الأحياء المهددة بالإزالة والهدم في سلوان، لكن لن يتحقق هدمها إلا بهدم حي البستان، معتبراً أن تحقيق إنجازات للاحتلال في البستان سيجعله يستكمل خطوات الانقضاض على كل الأحياء المهددة، إذ إن الاحتلال يعتمد أسلوب جس النبض وردة الفعل في تأخير أو تسريع مشاريعه في البلدة، بحسب تعبير المتحدث نفسه.

وفي ما يتعلق بالإجراءات القضائية التي قام بها سكان الحي، وما انتهت إليه على مدى السنوات الماضية، قال أبو دياب: "لقد استوفينا جميع الإجراءات القانونية، مع إدراكنا بأن القضاء الإسرائيلي غير نزيه ولم ينصفنا ولن ينصفنا لأنه جزء من المنظومة الاحتلالية". وأكد أن لجنة الدفاع عن الحي "تقدمت بعدة مخططات بديلة استوفت كل الشروط المهنية، لكن جميعها رفضت، وقد راوغت بلدية الاحتلال كثيراً من خلال طرحها بدائل وحلول غير قابلة للتنفيذ، منها هدم جزء وإبقاء جزء آخر، ثم هدم الجزء الثاني، على أن يتقدم السكان بطلب تراخيص للبناء في منطقة واحدة، أو هدم نصف البستان وإبقاء النصف الآخر، وبالنسبة لسكان الحي فهم مصممون على التشبث بحقهم والبقاء صامدين في منازلهم والدفاع عنها ولو هدمت سيعيدون بناءها".

ولفت أبو دياب إلى تقصير الجهات الرسمية الفلسطينية حيال دعم سكان الحي، خاصةً العائلات المهددة منازلها بالهدم. وقال: "نحن بحاجة لدعم وإسناد وتمكين المواطنين من تثبيت صمودهم، ولوجود إرادة سياسية بمساعدة السكان". لكنه أكد أن هؤلاء ليس لديهم خيار آخر سوى "البقاء والصمود والثبات"، وفق تعبيره.

يقع حيّ البستان في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، في المنطقة المعروفة بوادي كدرون (وادي النار)، بين حي وادي حلوة وما يسمى بـ"الحديقة الوطنيّة" لمحيط أسوار القدس غرباً، وبين الجزء القديم من سلوان (سلوان الوسطى) شرقاً. وكان سكان سلوان استخدموا هذا الوادي حتى عام 1967 لزرع أشجار الفاكهة.

و"المخطط الهيكلي" لبلدية الاحتلال يعرّف وادي البستان كمنطقة مفتوحة يُمنع البناء فيها. ولم يجرِ في المخطط ضمّ أي منازل باستثناء مبانٍ معدودة كانت قائمة فيه أثناء المصادقة على هذا المخطط عام 1976. ووفقاً لمركز المعلومات الإسرائيلي "بيتسيلم"، فقد "تمت المصادقة على مرّ السنوات، على خرائط هيكليّة لبعض أجزاء سلوان، إلا أنها لم توفر منطقة لازمة لتوسّع الحيّ ولم تزد من حقوق البناء فيه. ومع تعاظم الاكتظاظ في سلوان، بدأ سكانه بالبناء في الوادي، مجبَرين"، وفق ما ذكر المركز.

ويوجد اليوم في حي البستان أكثر من 100 منزل شُيّدت من دون ترخيص، غالبيّتها شيّدت في ثمانينيات القرن الماضي. ويقطن الحيّ نحو 1500 شخص يعانون من مسألة عدم اعتراف سلطات الاحتلال بشرعية الحي. ويواجهون أوامر هدم صدرت ضدّ بيوتهم جراء ذلك. ولا يستطيع السكان توسيع منازلهم وتشييد بيوت أخرى على أراضيهم أو إقامة بنى تحتيّة لائقة ومبانٍ عامّة.

وكانت سلطات الاحتلال نشرت عام 1995، وعبر ما يسمى بـ"لجنة التوجيه لتطوير السياحة في القدس"، التي أقيمت عشية احتفالات مرور 3000 عام على بناء المدينة المقدسة، مخططاً شاملاً لإقامة "متحف أثريّ مفتوح" في حي البستان، أو ما أطلقت عليه "وادي الملك". وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2004، أمر مهندس المدينة، أوري شطريت، بهدم ما سمّاه بـ"البناء غير القانونيّ" في "وادي الملك"، من أجل الحفاظ على المنطقة "كمنطقة عامّة مفتوحة"، كما جرى تعريفها في "المخطط الهيكلي" الصادر عام 1976. وفي مطلع عام 2005، بدأت بلديّة الاحتلال بالقدس بتوزيع أوامر هدم على سكان البستان. وفي عام 2006، قدم سكان الحي اقتراحاً لخارطة هيكليّة لحيّهم. ومع أنّ الخارطة جُهّزت بالتنسيق مع سلطات التخطيط التابعة للاحتلال، إلا أن لجنة التخطيط الإسرائيلية رفضت اقتراح السكان عام 2009، تحت ذريعة ضرورة الحفاظ على المنطقة مفتوحة. ويأتي ذلك نتيجةً لموقع المنطقة الهام و"حساسيتها المشهدية" و"قيمها التاريخية والثقافية".

ويشير مركز "بيتسيلم" في تقرير له حول الحي، إلى أنه "في عام 2009 اقترحت بلدية الاحتلال في القدس على سكان الحي ترك منازلهم طواعيةً، والانتقال إلى حي بيت حنينا الواقع في القسم الشمالي من القدس الشرقيّة. إلا أن السكان رفضوا هذا المقترح. وفي مطلع 2010، قدّمت البلدية مخططاً جديداً، يشمل إقامة متنزه سياحي اسمه (حديقة الملك) في وادي البستان، ليكون استمراراً مباشراً للحديقة الوطنية لمحيط أسوار القدس، وما يشبه توسيعاً لها". وورد في كُتيّب عشية الإعلان عن الحديقة وصف للرؤية المتمثلة في "تحويل حديقة الملك إلى حديقة مزهرة إلى جانب حيّ سكنيّ تنشط فيه المطاعم وورش الفنانين". وجاء في المخطط أنّه "يجب هدم المباني القائمة غربي الحي (22 منها على الأقل) من أجل تطوير الحديقة، فيما سيجري تأهيل المباني التي في شرق الحي (نحو 66 مبنى)، وسيجري توسيع حقوق البناء في هذه المنطقة".

ومن المفترض بهذا التوسيع أنْ يُمكّن السكان الذين سيُنقلون من غربي الحي، من بناء منازلهم الجديدة فوق المباني القائمة في القسم الشرقي، أو على أراض خاصة إلى جانبها، لكن المخطط لا يذكر كيفية حدوث هذا الأمر على أرض الواقع. بالإضافة إلى ذلك، تَقرّر إقامة مبنى عام يحوي مدرسة ورياض أطفال ومركزاً رياضياً وغيرها، وتنظيم البنى التحتيّة في الحيّ للطرقات والمياه والمجاري والكهرباء، وصدّقت اللجنة المحلية مخطط بلدية الاحتلال في يونيو/ حزيران عام 2010.

المساهمون