حي الأحباس في كازبلانكا برائحة الكتب والعتاقة

03 أكتوبر 2015
الصورة
سوق حي الأحباس في الدار البيضاء(العربي الجديد)
+ الخط -



كتب قديمة وجديدة، بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، في هذا المكان المحاط برمزية تاريخية، لأنه يرمز إلى المنطقة التي انطلقت منها الرصاصات الأولى للمقاومة المغربية، هنا في منطقة "درب السلطان"، يوجد حي الأحباس، وهي منطقة مشيدة على النمط المعماري التقليدي للمدينة العتيقة المغربية، ألق خاص، وسحر لا يقاوم.

في الطريق من مركز مدينة الدار البيضاء، حيث العمارات الزجاجية، والنمط المعماري الحديث، تمر، من أعرق منطقة، وهي "المدينة القديمة".. منطقة مسورة تطل على الميناء مباشرة، كانت مشهورة بحيها المعروف بـ "بوسبير" حيث كان أكبر "مبغى" مرخص له من طرف الاستعمار الفرنسي، ويخضع لشروط الحماية الطبية والأمنية، والتي كانت تتمتع بها كثير من " المباغي" في شمال أفريقيا، سواء في تونس أو في الجزائر أو في المغرب.
لكن حي "بوسبير" هذا سيء السمعة، لم يحجب عن المدينة القديمة جمالاً آخر، وهو توفرها على إحدى أهم ساحات بيع الكتب المستعملة في المغرب، وفي العالم العربي، مثل سور الأزبكية في القاهرة.

وتسمى هذه المنطقة الموجودة على طول السور الخلفي للمدينة القديمة بـ "البحيرة"، وهي منطقة كانت تنبت فيها كروم وأشجار مثمرة متنوعة.. والحقيقة أن"البحيرة" هي بغية كل طالب لكتاب مفقود من هواة المطالعة أو من طلبة المدارس والجامعات، وفي حوانيت كتبيي البحيرة، كانت تباع مخطوطات ووثائق كلونيالية وغيرها من النفائس التي لا تقدر بثمن.


حي الأحباس.. رائحة الكتب اللذيذة


مدينة الدار البيضاء، هي مدينة التعدد والتنوع الديني، ففيها إلى جانب ثلاثة آلاف جامع ومسجد، عدد من الكنائس والمعابد: ست كنائس كاثوليكية ـ بناها الإسبان أقدمها كنيسة (Buenaventura) في عام 1891، وثلاثة معابد يهودية.

وتعتبر سنة 1923، نقطة تحول في الدار البيضاء، ساهمت في تأسيس المدينة الجديدة التي سمّيت "حي الحبوس" على يد المهندس الفرنسي، ميشيل إيكوشار، الذي ساهم قبلا في التخطيط لمدينتي دمشق وبيروت. وكان الهدف هو الفصل بين الحي الأوروبي في مدينة الدار البيضاء والأحياء المغربية، عن طريق بناء مدينة بمواصفات وطراز مغربيين، وبنيت المدينة في وقت قياسي بين عامي 1946 و1952. كان الفرنسيون يأملون، من خلال المشروع، في إكمال صورة المدينة لزيادة علاقتهم بها والسيطرة على خيراتها.

اقرأ أيضاً: الرّباط: تاريخ عريق وتذكارات لا تقاوَم

لكن ازدياد الحركة الاقتصادية في المدينة، أرغم الفرنسيين على التراجع عن المعمار التقليدي لمصلحة الأنماط الأميركية الحديثة. وقد شهد فندق "أنفا" مؤتمر الدار البيضاء، في يناير/كانون الثاني 1943، الذي حدّد فيه تشرشل وروزفلت الاستسلام غير المشروط لألمانيا.
وقد مرّ "حي الأحباس"، وسمي كذلك، لأنه كان عبارة عن وقف، كغيره من المناطق الوقفية، التي هي اليوم، تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بتحولات كثيرة، ويعرف بسوقه التقليدية، التي ضمت أهم منتجات الصانع التقليدي المغربي، علاوة على حي المكتبات، الذي توجد فيه أهم المكتبات ودور النشر المغربية والعربية، والتي ساهمت في إثراء الحياة الثقافية في البلاد.

ومن هذه المكتبات نذكر، المركز الثقافي العربي ومكتبة الأحمدية للنشر، ودار الثقافة، زيادة على المكتبات المتخصصة في الكتب الكلاسيكية العربية، وفي الكتاب الديني.. هنا يمكن أن تعثر على كتب التفاسير وعلى لسان العرب وعلى آخر إصدارات المفكر المغربي عبدالله العروي، وعلى آخر الترجمات من الفرنسية أو من الإنجليزية، وعلى ما تجود به مطابع القاهرة وبيروت ودمشق والخليج العربي.

اقرأ أيضاً: فكاهيو المغرب الشباب يحيون "كازا ستاند أب" الخامس

وتعود ملكيات هذه المكتبات قبل أكثر من خمسين سنة إلى بعض التجار الفاسيين القادمين من فاس، والذين فضلوا المتاجرة في الكتب، قبل أن ينظم إليهم تجار جدد، في الكتب المستعملة، يطلق عليهم رواد الكتب "البوكينيست"، أي باعة الكتب المستعملة، وهم اليوم ينظمون معرضاً سنوياً وأصبحت لهم جمعية، تطالب بحماية تجارة الكتب المستعملة وتوفير مكان قار لها في منطقة الحبوس التاريخية.

لكن منطقة الحبوس، تتميز، أيضاً، بالإضافة إلى سوق كتبها الشهيرة، بسوق"الزيتون" التي تعرض المنتوجات الجيدة من زيت الزيتون ومن ثماره المختلفة، كما تعرف ببزاراتها العتيقة، التي تعرض منتوجات الصناعة التقليدية، من ملابس ومطرزات وأدوات جلدية وجلابيب مغربية أصيلة غالية الثمن ومن نعال، وبلاغي صفراء، ومنقوشات، وخزفيات، ويمتد الأمر إلى "أعمال فنية" فطرية ولوحات رسامين ورسامات غير معروفين، وأيضاً المنتجات التقليدية المتوارثة، من قبيل الحلوى الفاسية ذائعة الصيت.


"البحيرة"..سور الأزبكية المغربي


على بعد مئات الأمتار من قلب الدار البيضاء، لما ينتهي شارع الجيش الملكي وتسير رأساً إلى شارع أنفا ويبقى على يسارك تماماً فندق حياة رجنسي، أشهر فندق في العاصمة الاقتصادية، يبرز على يمينك باب مراكش حيث تتحصن، وراء السور مدينة اسمها المدينة القديمة.

في هذا المكان توجد محلات بيع بضائع مختلفة ومحلات كتب مستعملة تجعل من المكان لوحة تشكيلية مثيرة للتأمل والقراءة. وحين تسأل الناس عن المكان يقال لك: إنها "البحيرة".
سوق البحيرة للكتب موجودة منذ 1968 وفي هذا المكان كانت بساتين وكروم ومرزعة لزراعة البطيخ، وهذا هو سر تسمية المكان.


كتب العروي وروايات زمن الاعتقال السياسي


في هذه المحلات يمكنك أن تجد كل ما تحب، بل أحياناً تأخذ بعض دور النشر عدداً من الكتب التي نفدت من السوق لإعادة طبعها وتسويقها من جديد. هنا تتجاور كتب القانون والفلسفة الماركسية والليبرالية والكتب المتعلقة بالدين من القديمة إلى الحديثة، باللغتين العربية والفرنسية، وأيضاً مقررات الدراسة التي يكثر الطلب عليها عند بداية كل سنة دراسية، حيث يقبل أبناء الأسر ذات الدخل المحدود على هذا النوع من الكتب. كتب الأطفال هي الأخرى حاضرة.

هنا تجد كتب العروي جنباً إلى جنب مع كتب عائض القرني وكتب الجابري أو أحمد السطاتي أو روايات زمن الاعتقال السياسي جنباً إلى جنب مع مجلات باري ماتش وكتب "الحياة الجنسية" وكتب داكو في التحليل النفسي. إنها "البحيرة" فاكهة متاحة للجميع وعلى قدر ما في الجيب من نقود.

اقرأ أيضاً: "بولفار" الموسيقى: مهرجان في المغرب