حيوان البلاد الأول!

24 يونيو 2020
لا أحد يدري متى طقّت الفكرة لدى فخامته. على حين غرة جمع المستشارين عن بكرة أبيهم معلنًا رغبته التي لم يجرؤ أحد على مصارحته بأنها ستكون أضحوكة البلاد كلها ربما لسنوات طويلة.

لم يكن من المعتاد أن يسأل أحد جلالته عن أسرار أفكاره وكيف تتنزل عليه ولا من أين ولا متى. الأرجح لدى البعض أن الفكرة جاءته بعد زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية التي شهد خلالها انشغال صديقه العزيز الرئيس الأمريكي والسيدة قرينته لشوشتهما بولادة سيدة حيوانات أميركا الأولى كلبة البيت الأبيض نيكول.

«أريد أن أختار حيوانًا رسميّا للبلاد». هكذا قال سيادته للجمع الذي جيء به على ملا وجهه، لم تصدر عن أحد من الحاضرين ردة فعل تلقائية ساخرة كما كان ينبغي أن يحدث، كان الجميع قد تعودوا على مفاجآته منذ أن تجاوز عامه الخامس والثمانين متربعًا على كرسي الحكم، لكنها كانت المرة الأولى التي تدخل الحيوانات إلى حيز مفاجآته التي صارت على مر السنين مادة خصبة للفكاهة في صحف العالم أجمع. رغبته المفاجئة في توريث حفيده ذي العشرة أعوام بدلا من ابنه الطامح للعرش، بعد أن حقق الحفيد أعلى «سكور» تم تسجيله في تاريخ البلاد في لعبة «الإسنيك» لعبة سيادته المفضلة، قراره بأن تصبح الشوارع كلها اتجاهًا واحدًا في يوم عيد ميلاده، تحويله الصحيفة الرسمية الأولى للبلاد إلى صحيفة مختصة بالوفيات فقط، قراره بأن ينتج أعضاء مجلس الشعب شريط كاسيت يغنون له أغانٍ تُهنِّـئُه بعيد ميلاده، وضعه زعيم المعارضة في قفص أسُود حديقة الحيوانات ساعة الغداء والتعامل مع الأمر بعد ذلك على أنه حادث انتحار.

كل هذا كوم وموضوع الحيوان الرسمي للبلاد هذا كوم ثان. المشكلة أن سيادته لم يعط أحدًا الوقت للتفكير في الأمر أو التشاور حوله، لكن ذلك على أي حال لم يمنع رئيس مجلس شورى القوانين من أن يقف ويرتجل خطبة عصماء أثنى فيها على القرار الرئاسي، الذي لم يكن حتى قد تحول إلى قرار بعد ولم ينشر في الجريدة الرسمية:

«إن قراركم السامي سيثبت للعالم أنه حتى الحيوانات لم تحرم من عطفكم الأبوي وسيضع بلادنا في مصاف الدول المتقدمة التي تضع الحيوان في أسمى منزلة». كان الكل ينظر إليه وهو يرتجل خطبته بالفصحى الضالة المضلة وهم يحدثون أنفسهم بصفعه أو إتيانه من حيث لا يحتسب، ليس فقط لأنه سبقهم إلى منافقة سيادته وقرار سيادته، بل لأنهم لم يستطيعوا يومًا أن يجاروه في قدراته المذهلة على أكل الكتف ولحس العتب، لكن سيادته نفسه تكفل بالانتقام لهم منه:

«إنت هتخطب لي فيها.. أعرف أنه قرار تاريخي وإلا ما كان قد راودني.. أنا أريد أن أختار حيوانًا رسميّا لا أن أسمع خطابًا من حيوان رسمي». سبقهم رئيس مجلس شورى القوانين ذات نفسه إلى الضحك المجلجل على دعابة جلالته السامية بحقه، وربما انشغاله بالضحك هو الذي جعل وزير الأمن المستتب يسبقه ويسبق الجميع هذه المرة بحس أمني نادر إلى أول اقتراح للحيوان الرسمي:

«الكلب ولا مؤاخذة جلالتك هو الذي ينبغي أن يكون حيوان البلاد الرسمي.. على الأقل سيقرب هذا الاختيار بيننا وبين الولايات المتحدة وسيكون بوسع سيادتك اصطحاب كلب البلاد الرسمي في زيارتك التالية ليرتبط بأواصر صداقة مع كلبة أمريكا الأولى وستكون وزارتنا فخورة بأن تقدم لسيادتكم أفخر كلابها المدربة لكي تختار منها كلبًا يليق بهذا الشرف الرفيع».

كان الوزير يتحدث وهو فخور بحسه الأمني الذي جعله يأتي بما لم يأت به الأوائل، لكن رد جلالته صفعه بقوة وأشمت فيه من كانوا يحسدونه قبل لحظات: «يا سلام يا فالح وعرفتها لوحدك.. هل أنا غبي حتى أتوه عن اختيار الكلب كحيوان رسمي للبلاد.. فكرت في ذلك.. لكنني تذكرت أنني أحكم شعبًا متخلفًا غارقًا في خزعبلات الماضي.. سيطلع عليَّ منه في اليوم التالي مليون شيخ يتحدث عن نجاسة الكلاب وكراهية الدين الحنيف لها وسيسأل «هل يغسلون آنية قصر الرئاسة سبع مرات أولاهن بالتراب بعد أن تلغ الكلاب فيها». هبَّ فضيلة الحبر الأعظم برشاقة لا تليق باكتنازه المترهل ليقول لجلالته: «خسئ من ينطق كلمة في حق جلالتكم وكلب جلالتكم.. كل أحاديث كراهية الكلاب فيها نظر ويمكن لهيئة كبار العلماء أن تصدر حكمًا قاطعًا بتحريم التطاول على الكلاب باعتبارها خلقًا من خلق الله.. ويمكن لنا أن نستعين بكتاب في تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وهو كتاب مشهود له بين كتب التراث».

انبسطت أسارير الجمع فقد وجدوا أخيرًا حلا شرعيّا يعفيهم من تفكير يرونه مهينًا لعقولهم، ها هو الشيخ الأكبر قد حلها كعادته، لكنها عادت لتتعقد مع رد سيادته الممتعض: «ستقول للشعب من هنا عن تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وسيحول ذلك من هنا إلى مادة للسخرية منا جميعًا باعتبارنا بعضًا من لابسي الثياب الذين تفضل عليهم الكلاب.. هذا شعبي وأنا أعرفه.. خليك يا مولانا بعيدًا عن هذا الموضوع، نشيلك للثقايل».

لم يجرؤ أحد على أن يذكر اسم القط كاقتراح لحيوان البلاد الأول، فالجميع يذكر كيف كاد القط يودي بحياة جلالته في حادث ليس من اللائق أن يُدَكِّرَ أحد سيادته به الآن، كان سيادته يفتتح مركزًا رئاسيّا لألعاب الفيديو جيم التي أصبحت اللعبة الأولى للبلاد منذ غواها حفيده المفدَّى، عندما لفت انتباهه طفل شارد يجلس بعيدًا عن أضواء العدسات والكاميرات يحتضن قطّا مشمشيّا صغيرًا، شيء ما دفعه إليه جارّا وراءه قطيع موالسيه، نظر إليه الطفل بعيون حزينة دون أن ينافقه بكلمات من التي حفظها زملاؤه وغنوها بين يدي سيادته، ما إن مد سيادته يده ليحتضن القط حتى اندفع القط مخربشًا له بعدوانية ملفتة للانتباه، مع نزول أول قطرة دم من كف سيادته فتح الحراس النار على القط فأردوه صريعًا، وأصيب الطفل الحامل له بطلقتين أقعدتاه على كرس متحرك منذ ذلك التاريخ، فيما بعد اتضح أن والد الطفل كان يعمل رئيسًا لهيئة الآثار وتم اعتقاله منذ سنتين لرفضه افتتاح بيوتي سنتر للسائحات في قلب أهم آثار البلاد، تم تصنيف الحادث كمحاولة اغتيال دبرتها الأم بتخطيط من الأب الغاضب، ولا يدري أحد حتى الآن أين ذهبت العائلة كلها. فيما بعد تسربت تشنيعة مجهولة المصدر مفادها أن القصة التي تسربت عن عائلة الولد كانت مختلقة جملة وتفصيلا، وأن ما حدث وراءه انتقام شخصي من القط لجنسه لأن سيادته كان مولعًا في صغره بتعذيب القطط وإغراقها في زير المياه الملاصق لجامع قريته.

لذلك ولذلك كله تعامل جميع حاضري الجلسة الرئاسية مع القط كأن الله لم يخلقه أساسًا. كذلك فعلوا مع الحمار بالطبع، فقد كانت أكثر النكت السياسية انتشارًا في البلاد كفيلة بإسقاطه من الاعتبار. كذلك الحال فيما يخص الجاموس والبقر والثيران وكافة الحيوانات التي لا يليق أبدًا أن تكون حيوانات أولى للبلاد لاعتبارات سياسية ولياقية وأخلاقية.

كاد الحصان أن يفوز بها، لكن اعتراض جهات الأمن جاء فوريّا بسبب عدم القدرة على السيطرة على الحصان أمنيّا خاصة أن سقوط جلالته من على ظهره في هذه السن كفيل بنقله إلى الرفيق الأعلى مباشرة، ناهيك عن مخاطر تسرب صور لعملية وضع جلالته على الحصان باستخدام آلات حديثة سيتم استيرادها خصيصًا من الخارج.

تم اقتراح الأرنب، لكن أدهى الحاضرين سياسيّا قال إنه سيفسر تفسيرًا سياسيّا خاطئًا بوصفه المثل الأعلى الذي تريد الدولة أن يكون عليه المواطن، قال سيادته: «ملعون أبوهم ولا يهمني.. أنا أخاف أن لا أصمد فآمر بذبحه ليعمله الطباخ على شوية ملوخية فأنا أموت في الأرانب». ضحك الجميع متمنين لسيادته شهية طيبة ومتجاوزين عن اقتراح الأرنب الذي لم يكن ليصلح كحيوان رسمي في أي حال؛ فمن الصعب الإمساك به إلا بداخل قفص، مما قد يجلب تلسينات لا لزوم لها مفادها أن البلاد ليست ناقصة أقفاص ولا مساجين.

«ما رأي سعادتك في النملة باعتبارها رمزًا للعمل والإنتاج»؟ بدا الاقتراح وجيهًا لكنه لم يصمد أمام الصعوبات الفنية المتمثلة في اصطحاب سيادته للنملة وظهور سيادته في كاميرات الصحافة والتلفاز وهو يتباسط مع كائن غير مرئي لتلك الكاميرات وما يمكن أن يلسن به الشعب الذي يعرف جلالته جيدًا قباحته وطول لسانه. «ثم أي عمل وأي إنتاج.. هل سنضحك على بعض»، هكذا جاء تعليق سيادته الختامي وائدًا ذلك الاقتراح.

تطوع أغبى الحاضرين باقتراح النحلة فأمر سيادته فورًا بوضعه في غرفة مع نحلة عقابًا له على اقتراحه المندفع مع أنه كان للمفارقة وزير البحث العلمي. لم يجرؤ أحد على اقتراح أي نوع من أنواع الطيور بعصافيرها وحمائمها وببغاواتها وديوكها وفراخها وسائر أجناسها؛ لأن أحدًا لم يتحمل مغبة أن يقترح على سيادته أن يكون مخالطًا للطيور، صحيح أن وباء إنفلونزا الطيور كان قد اندثر منذ سنين بعيدة، لكن ملايين الأرواح من الطيور والبشر التي حصدها في طريقه لازالت تمثل ذكرى سيئة يصعب أن تندثر أبدًا، ناهيك عن احتمال عودة الوباء في أية لحظة وعندها ستتم على الفور خوزقة من كان وراء اقتراح أن يكون جلالته مخالطًا للطيور والعياذ بالله.

بعد ساعات طويلة مرهقة للغاية انتهى الاجتماع الرفيع باختيار رئيس تحرير أقرب الصحف إلى قلب جلالته لكي يكون حيوان البلاد الأول، بعد أن قام رئيس أكبر جامعات البلاد بتذكير جلالته بأن الإنسان حيوان ناطق.

...

من مجموعتي القصصية الثانية (ما فعله العيّان بالميت) التي تصدر طبعة جديدة منها قريباً بإذن الله.