حين يشبه نتنياهو حماس بـ"داعش"

حين يشبه نتنياهو حماس بـ"داعش"

12 أكتوبر 2014
الصورة

تسعى إسرائيل إلى تشويه المقاومة الفلسطينية (16يونيو/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

دأبت إسرائيل، ومنذ إقامتها، على محاولة توظيف التناقضات والتوترات لصالحها، ولصالح مشروعها الاستعماري الإحلالي التوسعي، سواء كانت هذه التوترات في العالم عموماً، أو في المنطقة العربية خصوصاً. وتمكنت، أحياناً من تسجيل اختراقات هنا وهناك، سواء بتعميق حالة التناقضات بين الفصائل الفلسطينية، أو بين الدول العربية نفسها، ما ساهم في تعميق المشهدين، الفلسطيني والعربي، وفي تراجع  التعاطي مع  إسرائيل، عدواً وخطراً وحيداً على المنطقة العربية، ما  تجلى، أحياناً، بظهور إسرائيل فاعلاً ولاعباً مهماً في تفاصيل المنطقة، وخلافاتها وتناقضاتها، وحاولت أن  تطرح نفسها معنيةً باستقرار المنطقة، مع  قناعة الجميع بأن إسرائيل تعتبر أكبر مصدر تهديد للمنطقة وللأمة العربية عموماً، وليست فقط على الشعب الفلسطيني.

ليس إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومسؤولين إسرائيليين، على مساواة حركة المقاومة الإسلامية، حماس، بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش، مصادفة أو تصريحات وشعارات إعلامية فقط، بل تعكس هذه المحاولات سياسة إسرائيلية مدروسة، وأريد منها تحقيق أهداف وإنجازات سياسية وأمنية واقتصادية لإسرائيل. وفي المقابل، إلحاق الضرر بحركة حماس، وبالحركة الوطنية الفلسطينية، وبالقضية الوطنية الفلسطينية برمتها.

لم يرق للحكومة الإسرائيلية أن من بين ما حققته الحرب، أخيراً، على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وعلى فصائله، وبالتحديد حركتي حماس والجهاد الإسلامي، أن هذه الحرب أعادت إحياء الهوية الوطنية الكفاحية للشعب الفلسطيني. لذلك، تسعى إسرائيل إلى تشويه الانتصار وإفساده، وتشويه المقاومة الفلسطينية بضرب الوحدة الوطنية، وعدم السماح بتسجيل أية إنجازات حقيقية للمقاومة، وتحميلها مسؤولية ذلك أمام الشعب الفلسطيني والخارج. لذلك، تعتقد إسرائيل أن تشبيه حماس بداعش سيؤدي إلى زيادة عزل حركة حماس ومحاصرتها، فلسطينياً وعربياً ودولياً، والذي سينعكس على حكومة الوحدة الوطنية، ما يضعها أمام خيارات صعبة، والضغط على السلطة ورئيسها محمود عباس، والتهديد بمحاصرتها ووقف الدعم المالي الدولي لها، أو انهيارها، وإعادة الساحة الفلسطينية إلى مربع الانقسام والمواجهة الداخلية. وحتى عدم السماح للقوى الفلسطينية بأن تشارك في عملية إعادة الإعمار، في حال البدء بها، كما أن العقلية الإسرائيلية تعتقد أن نجاح إسرائيل بإقناع العالم بأن حماس هي داعش سيؤدي إلى زيادة الضغط الشعبي الفلسطيني على حماس، لتغيير مواقفها من المقاومة، وتأليب الشعب الفلسطيني وتحريضه على حركة حماس، ما سيضعها أمام خيارات صعبة، سواء أمام نفسها، وأمام شعبها وأمتها العربية والإسلامية.

تسعى إسرائيل، أيضاً، من التشبيه المذكور إلى إقناع العالم والدول العربية بأن ما تتعرض له هذه الدول تتعرض له إسرائيل، خصوصاً أنها كانت قد حذرت تلك الدول منذ سنوات من الأخطار والتهديدات. وبالتالي، وضع إسرائيل في صف تلك الدول على أنهم يشتركون في الأخطار والمصير المشترك، ومن ثم ضرورة العمل المشترك لمواجهة هذه الأخطار. وبالتالي، زيادة التنسيق وتوثيق العلاقة بين هذه الدول وإسرائيل، وخصوصاً للاستفادة من الدعم والمساعدة الإسرائيلية في الحرب الدولية الحالية ضد داعش، سواء بتقديم المعلومات الأمنية، أو المساعدات اللوجستية، أو الأجهزة والاستشارات، خصوصاً أن إسرائيل تروج للعالم أن خبرتها طويلة وعريقة بمواجهتها الحركات الإسلامية. وعندها، ترى دولٌ عربية أن مصلحتها وحاجتها تفرض عليها إقامة علاقات أمنية وعسكرية مع إسرائيل للحصول على دعمها في حربها الحالية ضد داعش. وبالتأكيد، ستكون تلك العلاقات بمعزل عن القضية الفلسطينية، وعلى حساب الشعب الفلسطيني. وستعمل إسرائيل بذلك على ضرب حركة حماس مع الدول العربية المشاركة في الحرب على داعش، باعتبار أن حماس هي داعش، وتعبث في الدول العربية. وستوظف إسرائيل ذلك لتطوير علاقاتها مع الدول العربية، لتشمل المحالات الاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها، وصولاً إلى التطبيع الشامل مع بعض الدول العربية، ووضع القضية الفلسطينية على الهامش، وإكمال المشروع الصهيوني في تهويد الضفة الغربية والقدس، وإحداث واقع ميداني جديد، يجعل من التوصل إلى حلول مستقبلية أمراً بالغ الصعوبة والاستحالة.

الأخطر والأبعد من ذلك أن إسرائيل تحاول، ومنذ سنوات عديدة، إقناع الغرب، شعوباً وأنظمة بخطورة كل حركات الإسلام السياسي في المنطقة والعالم، وتشويهها وتلويث سمعتها وصورتها، بما فيها حركات المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد حماس والجهاد الإسلامي، حيث تعمل إسرائيل على نزع صفة وثقافة مقاومة الاحتلال المشروعة عن هذه الفصائل وإلصاقها بالإرهاب. وذلك لتأليب الرأي العام الغربي ضدها، وإعطاء إسرائيل الشرعية للاستمرار في ملاحقتها ومحاربتها. وبالتالي، أن تنظر الدول الغربية للقضية الفلسطينية من منظور أمني وإرهابي، وليس من منظور شعبٍ، يقاوم محتله بالوسائل المتاحة. حينها، ستتمكن إسرائيل من مواجهة أشكال العقوبات الدولية، الاقتصادية والسياسية وغيرها، واستمالة الرأي العام الغربي  لصالحها، الأمر الذي سيمكنها من مواصلة  مشروعها  الاستيطاني، والقضاء على ما تبقى  مما يسمى حل الدولتين.

وتعتقد إسرائيل أنها بالمقاربة بين حماس وداعش ستتمكن من اصطياد عدة عصافير مرة واحدة، لكن الشعوب، بوعيها، قادرة على إفشال هذا المخطط، وكشف غباء القراءات الإسرائيلية واستخفافها بعقول الآخرين في محطاتٍ كثيرة.