حين يجتمع الخوف والفساد في بلد مثل أميركا

12 يوليو 2020
الصورة
تردي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية في أميركا(جون لامبارسكي/Getty)
+ الخط -

مرّت الولايات المتحدة الأميركية عبر تاريخها بأوقات مخيفة وخطيرة، من عبودية وتمييز عنصري إلى اضطرابات ونزاعات أهلية وانكسارات اقتصادية، كما عرفت محطات غير قليلة من الشطط والفساد السياسي، بما أدى إلى الإطاحة بأحد رؤسائها وكاد أن يطيح برئيسين آخرين. مرونة نظامها وصمامات أمانه، فضلاً عن إمكاناتها وامتيازاتها كبلد الدولار، شفعت بها ووفّرت لها المخارج والعودة إلى الاستمرار. لكن لم يسبق لها أن عرفت الخوف والشطط معاً بالعيار الذي تشهده اليوم. وضع يقضّ مضاجع الأميركيين كما لم يعرفونه من قبل، خاصة أن باب الفرج لا يبدو قريباً وأن الخسائر قد وقعت وحنفيتها مفتوحة. أميركا اليوم خائفة وخارجة عن سكة الاستقرار. ماكينتها لا تعمل بالانتظام المعهود. 

 أول من أمس الجمعة، شهد أحداثا متسارعة، ما وضعه المراقبون عموماً في خانة الفضيحة الفاضحة. الرئيس دونالد ترامب منح صديقه ومعاونه القديم روجر ستون الإعفاء من عقوبة سجن لمدة أربعين شهراً، كان من المقرر أن يبدأ تنفيذها غدا الإثنين في 13 من يوليو/تموز الجاري. العفو أثار ردّة فعل صاخبة، ولو أنه قانوني، وهو امتياز يحق للرئيس استخدامه متى شاء. لكنه إجراء تحكمه الأصول والتقاليد التي جرى تجاهلها كلياً هذه المرة. فالمذكور كذب على الكونغرس أثناء إفادته تحت اليمين، في تحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات. بذلك ارتكب جريمة لا يغفرها القانون، وعادة لا تساهل فيها. 


السبب، حسب التعليلات، أن الرئيس خرق المألوف "لحماية نفسه" من معلومات سرية "شديدة الأذى" يملكها ستون ضده "لو امتنع عن إنقاذه!"، خطوة يصعب حتى على الجمهوريين الدفاع عنها، ما من شأنه زيادة العوائق في طريق التجديد لمرشحيهم في مجلس الشيوخ، ناهيك عن انتخابات الرئاسة. مما حمل بعضهم على إبداء الاعتراض العلني على الإعفاء، وبما زاد من توسع الشقوق وحالة القلق في الصف الجمهوري بخصوص الانتخابات.
يأتي ذلك وسط عودة الخوف كما كان في أيامه الأولى من فيروس كورونا وانتشاره من جديد في ولايات قد تضطر مرة أخرى إلى الإغلاق الإجباري ولو المحدود. موجة كان يفترض أن تكون قد شارفت على نهاياتها في مثل هذا الوقت ولغاية تجددها المتوقع في الخريف المقبل. لكنها عادت وكأنها في بداياتها لجهة عدد الإصابات الذي يقترب من 70 ألف حالة يومياً والمقدر أن يصل إلى مائة ألف إصابة. 


دوامة تسبب فيها التعامل مع العلم بحسابات سياسية، البيت الأبيض استغنى عن دور الفريق الطبي الرسمي حتى في إسداء التوجيهات والإرشادات، مع أن التجربة قد أثبتت صحة تشخيصاته لجهة الأرقام وارتفاع منسوب التفشي مع ما يجره من انعكاسات سلبية على الصعيد الاقتصادي، الذي صار من المؤكد أن عافيته مرهونة بلجم الوباء ولغاية السيطرة عليه. 

وتزداد الخشية مع اقتراب الفصل الدراسي وإصرار ترامب على فتح المدارس والجامعات في أواخر أغسطس/آب المقبل، بصورة اعتيادية. القرار السياسي في واد والقرار الطبي في واد آخر. والخشية الأخرى أن يجري التعويض عن الشطط كما عن التردي الصحي الاقتصادي، برفع وتيرة "الحرب الثقافية" وما تختزنه من احتقانات عرقية عشية انتخابات يهدد مثل هذا الخطاب بأن يطغى على أجوائها.
قال الأستاذ الجامعي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، الجمعة: "يزداد شعوري أكثر فأكثر بأننا صرنا الآن (في أميركا) وكأننا عالقون في باخرة تايتنيك، مع الفارق هذه المرة أن القبطان مصرّ على السير بالسفينة وتوجيهها نحو جبل الجليد، وأن طاقم الملاحة المعاون له جبان إلى درجة أنه لا يتجرأ على نهيه عن فعله، ناهيك بالتمرد عليه لإنقاذ الركاب". كلامه يلخص إلى حد بعيد الأجواء والمناخات الأميركية الراهنة.

المساهمون