حين خذل أوباما الأميركيين السود

14 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
"لا أستطيع أن أتنفس"، عبارة ردّدها جورج فلويد، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ركبة شرطي ساديّ، لكنها ليست جديدةً على مشهد العنصرية في أميركا، ففي صيف 2014، انتشر شريط فيديو يظهر فيه شرطي أبيض في ولاية نيويورك، وهو يطرح أرضا رجلا أسود يدعى إريك غارنر، ويجثو بركبته على عنق الرجل الذي ردّد "لا أستطيع أن أتنفس" إحدى عشرة مرّة إلى أن فارق الحياة. اشتعلت مظاهرات غاضبة في أزيد من 30 مدينة أميركية مطالبة بالعدالة، لكن الشرطي لم يحاكَم، ولم يتم فصله من العمل قبل السنة الماضية، وما زال حرّا طليقا. حدث هذا في عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي اكتفى حينها بقوله إن ما حدث مشكلة أميركية، وليست مشكلة السود فقط. انتقده كثيرون، واتهمه بعضهم بأنه قصّر في حق الأميركيين من أصول أفريقية، فكان جوابه كالآتي: "لست رئيسا لأميركا السوداء. أنا رئيس أميركا.. لا يمكنني أن أصدر قوانين تقرّ بأني أساعد السود فقط". 
لم يكن هذا موقف أوباما حين وصف شعار حملته الانتخابية الأولى "نعم نستطيع" بأنه عبارةٌ همسها العبيد، وهم يشقّون طريقهم نحو الحرية في أحلك ليالي تاريخ أميركا. في "خطاب العرق" الذي ألقاه يوم 18 مارس/ آذار 2008، وصف حقبة العبودية بـ"الخطيئة الأولى"، وأقرّ بأن بلاده تعيش في "مأزق عرقي"، وأشار إلى أن فوارق عديدة يعاني منها الأميركيون من أصول أفريقية اليوم تعود بشكل مباشر إلى إرث نظامَيْ العبودية والفصل العنصري. تحدّث عن "التمييز المقنن"، وانعدام العدالة والمساواة وتكافؤ فرص التعليم والعمل، ونقص الخدمات الأساسية في الأحياء التي يقطنها السود، ثم ختم خطابه مؤكّدا على ضرورة توطيد وحدة البيض والسود، ومعالجة هذا الإرث من خلال تحقيق العدالة الشاملة في كل جوانب الحياة، بما فيها العدالة الجنائية. بهذه الوعود وغيرها، رفع أوباما سقف التوقعات لدى الأميركيين السود الذين ساندوه، وسعدوا به أكثر من غيرهم.
سرعان ما ستتبخر وعود أوباما بفشله في أول امتحان تزامن مع دخوله البيت الأبيض في يناير/ 
كانون الثاني 2009. قُتل أوسكار غرانت وروبي طولان رميا برصاص عناصر شرطة بيض، وأثار مقتل هذين الشابين الأعزلين من أصول أفريقية موجة احتجاجاتٍ واسعة، ندّدت بالعنصرية وطالبت بالعدالة التي لم تتحقق في الجريمتين. كان في وسع أول رئيس أسود في تاريخ أميركا أن يقول ويفعل الكثير، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة، وقرّر منذ ذلك الحين أن يقف وقفة المتفرّج على التنميط العرقي، والاعتداءات العنصرية، والمحاكمات غير العادلة، والإعدامات الظالمة التي كانت تطاول السود أكثر من غيرهم. وظهر ذلك جليا في قضية تروي ديفيس، الرجل الأسود الذي دين في جريمة قتل ضابط شرطة عام 1989 في ولاية جورجيا. قضية شغلت الرأي العام، وحظيت بتغطية إعلامية مكثفة لتمسك ديفيس ببراءته، إذ لم يوجد أي دليل مادي يربطه بالجريمة، وغيَّر سبعة شهود من أصل تسعة شهاداتهم أو تراجعوا عنها، واعترف بعضهم بأن الشرطة أجبرتهم على اتهام ديفيس بالجريمة. جذبت القضية اهتماما دوليا، وناشد كل من البابا والاتحاد الأوروبي وحكومتا فرنسا وألمانيا الولايات المتحدة أن توقف إعدامه المقرر في خريف 2011. أما أوباما الذي ينادي اليوم بالإصلاح وينتقد التحيز العنصري في نظام العدالة الجنائية، فلم يحرّك وقتها ساكنا ولم يلق خطابا، واكتفى بإصدار بيان يقول فيه إنه ليس من "المناسب" أن يتدخل الرئيس في قضايا تخص سلطة الولاية الفيدرالية، فأُعدم ديفيس بالحقنة القاتلة وهو يصدح ببراءته.
بالبرودة نفسها، واجه أوباما سلسلة من اعتداءات الشرطة على المواطنين الأميركيين من أصل أفريقي، إلى أن أثبت مقتل المراهق ترايفون مارتن أنه لا ينبغي لضحايا العنصرية أن يعوّلوا على رئيسهم الأسود. كان ترايفون يرتدي كنزة بقبعة تغطي رأسه، وهو يمشي في شوارع سانفورد في ولاية فلوريدا، في طريقه إلى بيت خطيبته. لاحقه أحد سكان الحي، على الرغم من أن الشرطة منعته من ملاحقته، وهاجمه ثم أطلق عليه النار فقتله فقط لأنه بدا له "مشبوها". أشعل مقتل ترايفون شرارة احتجاجاتٍ عارمة، تجدّدت وتصاعدت بعد تبرئة القاتل بحجة الدفاع عن النفس، وإدانة امرأة سوداء في اليوم نفسه، وفي الولاية نفسها لإطلاقها عياراتٍ نارية تحذيرية لم تصب أحداً. أصدر أوباما بيانا يوم 15 يوليو/ تموز 2013 يقول فيه: "أعرف أن هذه القضية أثارت عواطف جياشة. وبعد صدور الحكم، أعرف أن العواطف قد تكون أقوى وأشدّ. ولكننا دولة قانون، وقد قالت هيئة المحلفين كلمتها. وأنا أناشد الآن كل أميركي أن يحترم الدعوة إلى الهدوء والتروّي التي أطلقها والدان مكلومان، فقدا فلذة كبدهما".
دفاع أوباما عن عدالة عنصرية أدى إلى ظهور حركة "بلاك لايفز ماتر" (حياة السود مهمة) 
التي نظمت، في صيف 2014، مظاهرات حاشدة بعد مقتل مراهق أسود آخر يدعى مايكل براون، بنيران شرطة مدينة فيرغسون، في ولاية ميسوري. انتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم، واتخذت منحىً عنيفاً بعد انتشار آلاف الجنود من الحرس الوطني، ما جذب انتباه العالم وتضامنه. خَلُصَ التحقيق في هذه الجريمة إلى أن شرطة فيرغسون تنخرط بشكل ممنهج في ممارساتٍ عنصريةٍ ضد المواطنين من ذوي البشرة السوداء. ولامتصاص غضب الشارع، شكلت إدارة أوباما "فريق عمل معني بالشرطة"، ليس بهدف القضاء على وحشية الشرطة، وإنما من أجل ما أسمته "تعزيز فاعلية الحد من الجريمة". أوصى تقرير الفريق ببناء الثقة بين المواطنين والشرطة، واستخدام التكنولوجيا لجمع مزيد من البيانات عن الشرطة، ونصح رجال الشرطة بارتداء كاميرات في أثناء قيامهم بواجبهم؛ توصيات لم يكلف أوباما نفسه عناء السهر على تطبيقها، فبقيت حبرا على ورق.
استمرت الجرائم العنصرية، واغتال شابٌّ أبيض تسعة مصلين سود كانوا يتعبدون في كنيستهم، في مدينة تشارلستون، في ولاية جنوب كارولينا. هزّت هذه المجزرة أميركا والعالم، وألقى أوباما خطابا مطولا أقرّ فيه بأن المجتمع الأميركي ما زال يعاني من "داء العنصرية"، وختم بأنه "حان وقت الأفعال". لكن الدواء الذي اقترحه لم يتوافق مع تشخيصه المرض، إذ غضّ الطرف عن الدواعي العنصرية للجريمة، وركّز على مشكل السلاح، فدعا إلى وضع معايير أفضل لبيع الأسلحة النارية. كان هذا أبعد ما ذهب إليه أوباما، بالإضافة إلى ترشيح مجموعة من السياسيين والقضاة السود لمناصب رفيعة في إدارته.
لقد خذل أوباما ملايين السود الذين صوّتوا له بشغف، وعلقوا عليه آمالا بحجم آلامهم. ظنوه نعمة وهدية من السماء، فتحولت رئاسته إلى نقمةٍ ما بعدها نقمة، إذ تصدّعت العلاقات العرقية في المجتمع الأميركي منذ انتخابه، وتأجّجت الكراهية، وانتشر علم الكونفيدرالية الذي يرمز لرفض الولايات الجنوبية تحرير العبيد والمساواة في الحقوق المدنية. نشأت مليشيات متطرّفة جديدة ومدجّجة بالسلاح، وارتفع عدد تنظيمات القوميين البيض المعادين للسود، والمهاجرين وكل الأقليات من حوالي 40 مجموعة في عام 2005 إلى أكثر من 250 في العام 2012. وتأسست حركة تي بارتي (حفل الشاي) في الحزب الجمهوري التي احتضنت مجموعات عنصرية، وعاد تنظيم كو كلوكس كلان (Ku Klux Klan) الإرهابي ليحرق الصلبان ويقتل السود، وهو يغطي وجوه مجرميه بأقنعة أسطوانية.
لقد أثار انتخاب أوباما مخاوف فئةٍ من البيض، اعتبرته مشروع انتقام السود من "خطيئة 
العبودية"، وأصبحت تشعر بخطر الأقليات في ظل الأزمة الاقتصادية، وتطبيق سياسة "التمييز الإيجابي". ولأن المجتمع الأميركي لم يتعاف بعد من جروح العنصرية العميقة، فقد وسع انتخابه خطوط التصدّع العرقي، وعمّق تقسيم البلاد بدل أن يوحدها، وأدخلها حقبة استقطابٍ حادّ أُطلق فيها العنان لخطاب التمييز والكراهية، فكان من الطبيعي أن يؤدّي هذا كله إلى انتخاب الرئيس العنصري، دونالد ترامب، منقذا للبيض من خطر الأقليات.
لقد ألحق أوباما بالأميركيين السود من أصل أفريقي أذى كثيرا، ربما لأنه تقمص دور بني جلدتهم من دون أن يكون كذلك، هو المنحدر من أب كيني درس في جامعة هارفرد النخبوية وأم أميركية بيضاء من أصول إنكليزية، عاش في كنف البيض في جزر هاواي النائية، رعاه جدّه وجدّته البيضاء التي كانت تخشى السود، تعلّم في أحسن المدارس والجامعات الأميركية، مارس مهنة المحاماة، وتزوج محامية بورجوازية سوداء. أوباما نصف الأفريقي ونصف الأبيض لا يجري في عروقه دم العبيد، بل دم أسياد العبيد. لم يحمل على كتفيه إرث القهر والاستعباد، ولم يعانِ من الظلم والاضطهاد، لم يترعرع في بيئة الضياع، حيث يعتبر كل أسود مذنبا إلى أن تثبت براءته. ولو ذاق الفقر والحرمان لما خصم حوالي تسعة مليارات دولار من الميزانية المخصصة لطوابع الغذاء التي تقي ملايين السود والبيض شرّ الجوع.
اليوم، يعود أوباما إلى الواجهة السياسية بمعسول كلام تكذّبه أفعاله، ولا يملك من يستحضر ماضيه إلا أن يقول: إن لم تستح يا رجل فافعل ما شئت.