حين تكشف السلطة عن خفايا صفقة القرن

27 يناير 2018
الصورة
تظاهرة ضد زيارة بنس في غزة (مجدي فتحي/Getty)

رغم النفي الرسمي الصادر عن الرئاسة الفلسطينية، حول ما أدلى به عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور أحمد المجدلاني، المعروف بقربه من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلا أنه يمكن تصنيف التصريحات بأنها المرة الأولى التي يكشف فيها مسؤول فلسطيني بارز عن أن السعودية هي من أبلغت القيادة الفلسطينية، حول تفاصيل مبادرة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحل الصراع العربي الإسرائيلي، والمسماة بصفقة القرن، والتي أجمع الكثيرون على أنها ليست بصفقة، بل إنها صفعة كبيرة، في وجه كل أولئك الذين راهنوا على أن المفاوضات وحدها، وبرعاية حصرية للولايات المتحدة، من الممكن أن تعيد ولو القليل من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. فقد أكد المجدلاني أن الصفقة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية برمتها، حيث تجاهلت التطرق لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم في العودة لديارهم، التي تم تهجريهم منها من قبل العصابات الصهيونية، في نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، كما أنها لم تتحدث عن الحدود، ولا عن السيادة، بعد أن تم إسقاط موضوع مدينة القدس، ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، بعد الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للدولة العبرية، لتتركز الصفقة في إقامة كيان فلسطيني أقل كثيراً من دولة، وأكبر قليلاً من سلطة في قطاع غزة، بعد إضافة مساحات جديدة من الأراضي، يتم اقتطاعها من شمال سيناء، وذلك بالتوافق والتفاهم مع النظام المصري برئاسة عبدالفتاح السيسي.

لم يكن موضوع الدولة في غزة، واقتطاع أراض لها من سيناء بالطرح الجديد، لا بل تم طرحه عدة مرات منذ سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، ولكن الجديد في الموضوع هو التحول في تعاطي بعض الأنظمة العربية لهذا المشروع، والذي سيؤدي لتصفية القضية الفلسطينية مقابل مليارات الدولارات يحصل عليها الشعب الفلسطيني وسلطته، مقابل تخليه عن حقوقه الوطنية، وقبول القيادة الفلسطينية بأن تكون هذه الصفقة مقدمة لتطبيع العلاقات السياسية، والأمنية والاقتصادية، ما بين إسرائيل من جهة، وما بين بعض الدول العربية من جهة أخرى، وخاصة السعودية، وصولاً لبناء تحالف عسكري أميركي إسرائيلي عربي ضد إيران، لتتحول القضية الفلسطينية من قضية جامعة للعرب والمسلمين، إلى غطاء وشرعنة لمزيد من الانقسامات والحروب الداخلية في المنطقة، خدمة للمشروع الاستعماري الأميركي والصهيوني في المنطقة.

بات واضحاً أن الإدارة الأميركية، وإسرائيل تحاولان الاستفادة من الظروف العربية الرديئة، لتمرير هذه الصفقة، واستغلال الضعف العربي وفرض ما يسمى بالحل الإقليمي، حيث ترى إسرائيل والولايات المتحدة، بأن التفكك العربي ومحاولات بعض الأنظمة العربية أن تصنع لها دوراً ونفوذاً في المنطقة، قد يدفعها للتراجع عن مواقفها التقليدية، والذهاب بعيداً، في سبيل الحصول على الدعم الأميركي، والذي يمر عبر بوابة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، من خلال الموافقة، أو الصمت على تصفية القضية الفلسطينية وتبديل الأولويات في المنطقة، حيث تصبح إسرائيل جزءاً طبيعياً من المنطقة، لا بل صديقاً وحليفاً لبعض العرب، في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة، ومن ثم إدخال المنطقة في أتون حروب لها أول، ولا آخر لها، مما زاد من أهمية الكشف الفلسطيني عنها.

شكل حديث المجدلاني حول نقل المملكة السعودية للقيادة الفلسطينية، تفاصيل صفقة ترامب، محطة جديدة ومهمة جدا، حيث الرسالة الأولى للشعب الفلسطيني، وفيها تأكيد على دقة الاستشعار الفلسطيني بالخوف والقلق، وأن خطراً حقيقياً بات يهدد مستقبل قضيته وحقوقه، وأن يستعد لمرحلة أخرى من النضال المشروع، لمواجهة وإفشال هذا المشروع التصفوي، حيث يخشى الكثير من الفلسطينيين، أن استمرار محاولات القيادة الفلسطينية من أجل إفشال وقطع الطريق على إسرائيل، للإيقاع بين الفلسطينيين وبين الأشقاء العرب، سواء من خلال كظم الغيظ، والصمت الفلسطيني عليها، قد يدفع أنظمة أخرى للذهاب بعيدا، وبالتالي أصبح مطلوبا المصارحة والمكاشفة، ووضع النقاط على الحروف أمام الجميع، وخاصة أن المواجهة مع الأميركي أصبحت حتمية، وإيصال رسائل للجميع، وفي مقدمتهم الإدارة الأميركية نفسها، ومضمونها أنه إذا أراد الأميركي، عبر الحديث مع بعض الدول العربية، من وراء ظهر القيادة الفلسطينية، أن يوصل رسالة للقيادة وللشعب الفلسطيني، أنه في حال عدم قبولكم لما يفرض عليكم، فإن هنالك دولاً عربية جاهزة، ومستعدة للتعاون مع الإدارة الأميركية وإنجاح الصفقة، فإن القيادة الفلسطينية ترد على ذلك، وبلغة صريحة وواضحة للإدارة الأميركية، ولكافة الأطراف أن الشعب الفلسطيني هو الذي يختار من يتحدث باسمه، وليس الإدارة الأميركية أو الحكومة الإسرائيلية، وما حديث رئيس المعارضة الإسرائيلية يتسحاق هرتسوغ لموقع إيلاف السعودي قبل يومين، من أن إسرائيل على استعداد لنقل الصلاحيات الإشرافية على المقدسات الإسلامية في القدس للسعودية، إلا أكبر دليل على نفس العقلية الإسرائيلية والأميركية في محاولة الضغط ومعاقبة كل من يقف في وجه المشروع الأميركي، مستخدمين بذلك سياسة العصا والجزرة التي تستعملها إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين، وأيضا لضرب العلاقات العربية الداخلية. كما أن اعتراف المجدلاني بأن الصفقة تستهدف بناء تحالف أميركي إسرائيلي عربي لضرب إيران، قد شكل رسالة واضحة ومهمة للجميع، ومن بينهم إيران، أن الشعب الفلسطيني لن يقبل أن يكون بوابة، أو غطاء، لتنفيذ مشروع تدميري كبير يستهدف إحراق المنطقة برمتها، وحتى الأنظمة العربية المشاركة بها، لن تنجو هي الأخرى منها، وأنه ورغم بعض الاختلافات والتناقضات مع بعض السياسات الإيرانية في المنطقة العربية، تبقى إسرائيل، ومشروعها الاستعماري الإحلالي، الخطر الوحيد، والأوحد على الشعب الفلسطيني، والأمة العربية جمعاء، حتى في ظل بعض الانهيارات، التي تمر بها بعض الأنظمة العربية الطارئة، اعتقادا خاطئا منها، أن استبدال أولويات الأعداء، قد يحقق لها مكانة ودوراً في المنطقة، وانه رغم هذه الانهيارات العربية إلا أن الشعب الفلسطيني، وبدعم من معظم الشعوب العربية، وبعض الأنظمة العربية التي ترفض الانخراط في هذا المشروع، لن يوافقوا على هذا المشروع التصفوي الكبير، وسيواجهونه رغم الضغوط الكبيرة والابتزاز، ومهما بلغت الخسائر والتضحيات، وأولى تلك الخطوات كانت في قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بالإعلان عن رفض الوساطة الأميركية في العملية السياسية، بعد أن انتقلت من الانحياز للمواقف اليمينية الإسرائيلية، إلى الشراكة الكاملة في العداء ضد الشعب الفلسطيني، وأيضا في رفض القيادة الفلسطينية استقبال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وذلك بعد أن أيقنت القيادة الفلسطينية، أن هذه الصفقة التصفوية، لا تستهدف القضية الفلسطينية فقط، بل ستدخل المنطقة العربية والإسلامية في حروب وحرائق مدمرة.