حين تركوا الجسر: تسعة عقود على إعدام الأبجدية العثمانية

15 يوليو 2020
الصورة
أبجدية عثمانية على شواهد الأضرحة، من مقبرة في إسطنبول (Getty)

لم يكن سهلاً على الشعب التركي، أن يستيقظ في اليوم الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1928 على قرار اعتماد الحرف اللاتيني بدلاً من الحرف العربي في الأبجدية العثمانية، باعتباره تتويجاً لسلسلة من القرارات التي اتخذتها دولة الحزب الواحد برئاسة أتاتورك، من أجل "تحديث" المجتمع. بدءاً بإغلاق تكايا الدراويش ومنع ارتداء العمامة والطربوش واستبدالهما بالقبعة الغربية عام 1925، مروراً باعتماد التقويم الأوروبي والقانون المدني السويسري والجنائي الإيطالي، وانتهاء بقرار تغيير الأبجدية الذي لم يمر بسهولة.

ومن دون شك، كانت قرارات مصطفى كمال في ما يتعلق بمسألة تغيير الأبجدية ناتجة عن أسباب أيديولوجية في المقام الأول، بهدف إبعاد تركيا الحديثة عن العالم العربي والإسلامي وتوجيه المجتمع نحو الغرب. إلا أن "مشكلة الأبجدية" كانت محل نقاش دائم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1862 حيث دعا منيف باشا، ناظر المعارف، لإجراء إصلاحات في الأبجدية العثمانية. وتتلخص أسباب دعوته تلك في أن المواطن العثماني تصعب عليه قراءة بعض الكلمات التركية التي ليست من أصل عربي أو فارسي، وخصوصاً بعد أن قلّ عدد العارفين بالعربية والفارسية، اللتين كانتا لغة الثقافة في الدولة العثمانية قديماً.

ولخّص المنادون بإصلاح الأبجدية آنذاك أسباب دعوتهم هذه بأن اللغة التركية تحتوي على ثمانية أحرف صوتية يقابلها ثلاثة أحرف علّة فقط في العربية، فكانت هناك بعض الكلمات التي تُكتب بنفس الطريقة ولا تُفهم إلا حسب السياق، وخصوصاً لأن الحركات الإعرابية لم تكن مستخدمة في تلك الأبجدية.

بتغيير الأبجدية، قُطعت الأجيال التركية الجديدة عن تراثها

خفتت هذه النقاشات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، لكنها عادت بقوة في العهد المعروف بـ"المشروطية الثانية" (1908-1920)، ومن بين محاولات إصلاح الأبجدية آنذاك، ما قام به أنور باشا بعدما أصبح ناظراً للحربية، حيث قدّم نظاماً للجيش عُرف بـ"الحروف المنفصلة" لتسهيل القراءة والكتابة والتواصل بين الجنود، لكنه لم ينجح ولم يُستخدم إلا في الأمور العسكرية فقط. ولم تقتصر النقاشات آنذاك على "إصلاح" الأبجدية، ولكن طُرحت بوضوح فكرة استبدالها بالحروف اللاتينية، بعد ازدياد البعثات إلى أوروبا وتبنّي النخبة العثمانية لمشاريع إصلاح الدولة العثمانية على الطراز الأوروبي.

نستنتج من هذه الأمثلة أن أطروحات عديدة تم تقديمها في القرن التاسع عشر بخصوص إصلاح الأبجدية، إلا أن هذه النقاشات قد أخذت منحى مختلفاً تماماً بعد قيام الدولة التركية، ومحاولة أتاتورك "تأسيس" قومية تركية، متبنياً أفكار عالم الاجتماع ضياء جوك ألب، المعروف بأبي القومية التركية.

وكان أول طرح رسمي لمسألة استبدال الأبجدية في مؤتمر إزمير الاقتصادي الشهير عام 1923، لكنه لاقى اعتراضاً كبيراً من رئيس المؤتمر الفريق كاظم كارا بكير، أحد رموز حرب الاستقلال، وصديق أتاتورك الشخصي، كما ذكر الباحث التركي مراد بلجه في بحثه المعنون بـ"مشكلة التركية"، وبحسبه أيضاً فإن كارا بكير قد حذّر أتاتورك من أن تغيير الأبجدية يعني أن الأجيال التركية الجديدة لن تتمكن من قراءة تراثها.

جرت محاولة لتصفية التركية من الكلمات العربية والفارسية

وصارت هذه القضية محل خلاف كبير بين النخب السياسية والثقافية التركية، واستند المدافعون عن الأبجدية العثمانية إلى أنها هي الجسر بين الأتراك والإسلام، وتغيير هذه الأبجدية سيتسبّب لاحقاً في بروز إشكاليات أيديولوجية واجتماعية. وكان المؤرخ والسياسي المعروف محمد فؤاد كوبرولو على رأس هذه المجموعة، حيث رأى أن التقدّم لا يتم باستخدام الحروف اللاتينية. أما الفريق الآخر فكان يرى أن الأبجدية العثمانية تتنافى مع القومية التركية وتعيق تركيا عن "اللحاق بالحضارة الغربية"، وكان الكاتب حسين جاهد يلتشين، من أبرز من نادوا بتغيير الأبجدية، بدعوى أن الأبجدية القديمة يصعب تعليمها للأطفال، وحتى الكبار لا يتلفظون كل الكلمات بشكل صحيح، ولم يعد هناك أي رابط بهذه الأبجدية بعد الآن.

ظهرت هذه النقاشات على صفحات الجرائد أيضاً، وتم إجراء أكثر من استطلاع رأي حول هذه المسألة حتى اتخذ أتاتورك أول خطوة في سبيل حسم تلك القضية بتأسيس لجنة لغوية، انعقد اجتماعها الأول عام 1928، وترأسها بنفسه، ومعه الروائي والدبلوماسي الشهير يعقوب قدري وبعض الأدباء الأتراك الآخرين، وحُسمت القضية بالفعل وتم اعتماد الحروف اللاتينية. أثار أتاتورك بعد ذلك هذه القضية في خطاب شعبي له، وحثّ الناس على تعلّم الأبجدية الجديدة، التي اعتبرها وظيفة كل فرد في الأمة التركية. ومنذ اليوم الأول من شهر كانون الثاني/ يناير عام 1929 أصبح استخدام الحروف اللاتينية إلزاميّاً، ومُنع استخدام الأبجدية العثمانية.

إلا أن المشكلة لم تنته بهذا القرار، فبعد اعتماد الحروف اللاتينية نادى بعض مثقفي ذلك الوقت، والذين عُرفوا باسم "الصفائيين" بـ"تصفية" اللغة التركية من الكلمات العربية والفارسية! بينما رأى التيار الآخر أن اللغة لا يمكن تغييرها بمرسوم، إلا أن أتاتورك كان يميل إلى التيار الأول، وبالفعل أمر بتأسيس جمعية لدراسة اللغة التركية، وبدأ أعضاؤها في جمع كلمات من اللهجات المحلية ومن المصادر الأدبية المكتوبة بالتركية القديمة ما قبل العثمانية، التي كان يتحدثها الأتراك في وسط آسيا.

المفارقة أن أتاتورك نفسه قد ألقى عدة خطابات بهذه "اللغة الجديدة" ولم يفهمها أغلب الشعب. فأمر بتشكيل حركة عُرفت بـ"الإصلاح اللغوي"، كما أقام العديد من المؤتمرات اللغوية التي دعا لها كبار علماء اللغة حول العالم لإيجاد وسيلة لسدّ الفراغ الذي أحدثه غياب المفردات العربية والفارسية في هذه اللغة الجديدة، لكن حركة الإصلاح اللغوي لم تتمكن من حل هذه المشكلة، وقدّمت أخيراً نظرية إلى أتاتورك عُرفت بـ"لغة الشمس" مفادها أن كل اللغات قد اشتُقت من لغة بدائية كانت تُحكى في آسيا الوسطى ثم تطوّرت عنها، فلا حاجة إذا إلى تصفية اللغة التركية.

المفارقة الأخرى أنه رغم كل هذه الجهود التي بذلها أتاتورك، طوال فترة حكمه حتى وفاته عام 1938 لعزل تركيا عن محيطها العربي، إلا أن عدد كلمات اللغة العربية في التركية الحديثة قد بلغت أكثر من ستة آلاف كلمة. كما استمرت هذه الإشكالية بعد ذلك أيضاً. وقد عبّر ناظم حكمت، وهو أبرز شعراء العصر الحديث في تركيا، عن ذلك في مواضع كثيرة، وكانت له آراء متباينة حول هذا الأمر، فنجده مرة يشكو من عدم اعتياده على الكتابة بالحروف اللاتينية، في رسائله للروائي والمترجم كمال طاهر من السجن عام 1941، حيث يقول: "اعذرني لأن رسالتي قصيرة، ولاحظ أنني عدت إلى استخدام الحروف القديمة، فأنا لم أتعوّد بعد على الحروف الجديدة، ولذلك فإنني أحاول المزج بين الأبجديتين". وفي سياق آخر نجده يتبنى موقفاً آخر، يدل على عدم اعتماده رأياً ثابتاً في هذه المسألة، فيتبنى رأي كثير من المثقفين الذين انحازوا إلى الحروف اللاتينية واعتبروا أن الدفاع عن الحروف القديمة هو "موقف محافظ"، فيقول حكمت في نفس الرسائل: "لقد بدأتُ كتابة رسائلي بالأبجدية القديمة. ليغفر لي الله هذا الموقف الرجعي قليلًا". إلا أنه في جزء آخر من الرسائل يعود إلى نفس الشكوى من قبل فيقول: "لقد نسيتُ الأبجدية العربية بحيث يجب أن أتوقف عند كل كلمة لأنفخ! يجب أن أعود إلى التدريب على الكتابة بالحروف القديمة".

لكنّ ناظم حكمت نفسه يسخر في أكثر من سياق من فكرة "التركية الصافية"، ويرى أنها "مظاهر وطنية تعصبيّة وجافة"، كما يذكر لصديقه كمال طاهر في الرسائل: "من الغباء أن نأتي بكلمات مثل "أولوس" بدلاً من "ملّة" أو نخترع كلمة ما لتحلّ محل "حكومة" أو "مأمور" إلخ. لماذا؟ لأن هذه كلمات يفهمها ويستخدمها الفلاح أو العامل في تركيا بسهولة دون انزعاج وحتى دون أن يقول لنفسه إنها كلمات غير تركية".

وكما ذكر الروائي أورهان كمال على لسان ناظم حكمت في كتابه "ثلاث سنوات ونصف مع ناظم حكمت": "ينبغي أن يكون المعيار في اللغة هو الناس. يجب الانتباه إلى عدم استعمال الكلمات التي يستهجنها الناس في حديثهم اليومي". ويضيف أورهان: "مثلاً، من بين أجمل الكلمات الجديدة التي أحبّها ناظم، كلمة "فوق العادة". هذه الكلمة كان يستخدمها باستمرار. بالأساس تشكّلت هذه الكلمة من كلمتين اجتمعتا معاً. كان ناظم يحب الكلمات التي يستخدمها الناس، وكان ضد استبدال الكلمات العربية والفارسية التي صار الأتراك يستخدمونها وفق حدود لغتهم، بكلمات فرنسية أو بغيرها من اللغات. وبلا شك، أتصوّر أنه كان يؤمن بأن اللغة لا تأتي بأوامر من السماء، لكنها نتاج نسيج الفنانين".

وأخيراً، ربما لم تعش أمة "إشكالية لغوية" مثلما عاش الأتراك على مدار عقود، حاول خلالها النظام الحاكم أن يلغي ماضياً مشتركاً للأتراك مع العرب وغيرهم. فأغلب الأجيال الجديدة الآن لا تستطيع أن تقرأ كثيراً من تراثها بالفعل، لأن المختصين لم يتمكنوا حتى الآن، بطبيعة الحال، من ترجمة أغلبها. إلا أن الخطوات التي اتُّخذت في العقدين الأخيرين في تركيا، اللذين شهدا تقارباً مع العالم العربي، كافتتاح مراكز لتعليم العربية في أكثر من مدينة تركية، ومراكز ثقافية تركية في بعض المدن العربية، بالإضافة إلى حركة الترجمة بين اللغتين، والتي تزداد قوة، ستؤتي ثمارها بالتأكيد خلال السنوات القادمة.