حول العالم... طلاب يصممون مناهجهم

29 نوفمبر 2016
الصورة
بدأ العديد من التربويين يطلقون يد الطلاب في مناهجهم(Getty)
+ الخط -
لا  تعتبر تغطية  البي بي سي بتاريخ (16 نوفمبر)/ تشرين الثاني حول تصميم الطلبة في إحدى القرى الهندية لمناهجهم الخاصة، من قبيل الخبر الجديد أو سرد لمبادرة فريدة من نوعها، فمنذ أن قام بولو فريري بنشر فلسفة التعليم التشاركي ومنذ أن انتشرت في بلدان الغرب الصيحات نحو التعليم الحر والتعليم المتمحور حول الطالب بالإضافة إلى نظريات التعليم البناء والتفاعلي، زادت مساحة التفاعل الطلابي مع تصميم وتشكيل بعض مكونات العملية التعليمية، وتعتبر المناهج التعليمية جزءا لا يتجزأ من تلك العملية.

 

مجموعات تعليمية حرة

في قرية Bhaumau الهندية الصغيرة في مقاطعة "أوتا براديش" الزراعية، قام عدد من الطلبة بتكوين مجموعات تعليمية بدون أي توجيه من البالغين، باستخدام عدد من الحواسيب اللوحية المعبأة بالأفلام والقصص والألعاب التعليمية، وهي وسيلتهم لتعلم اللغة الإنكليزية بالإضافة لمبادئ العلوم. وقد تم توفير تلك الحواسيب لهم من قبل الجمعيات الأهلية، بواقع 3000 حاسب لوحي على 26000 طفل، وذلك في إطار المرحلة التجريبية لبرنامج Hybrid Learning Program الذي يهدف إلى تعليم الأطفال مهارات التعلم وعلى رأسها التعلم الذاتي من خلال توفير تلك الوسائل. وقد غطى البرنامج في مرحلته التجريبية 400 قرية هندية من أفقر القرى وأكثرها حاجة للدعم التنموي.

 



فوائد متعددة


حدد الأبناء ما يريدون تعلمه من خلال المصادر المتوفرة على اللوح الذي تمت حمايته بكلمة مرور، للحد من قابلية دخول الطلبة إلى مواد لا تناسب المرحلة السنية أو لا تناسب تقاليدهم. إلا إن الطلبة سرعان ما تطورت مهاراتهم في التعامل مع التكنولوجيا وصاروا هم من يصممون الفيديو ويسجلون الأصوات والأغاني أو يجمعوا الصور والموسيقى من على هواتف من حولهم.

 

بالرغم من تأكيد نيها شارما، المنسقة الميدانية لتنفيذ البرنامج، في حديثها للبي بي سي، أن الهدف الأساسي هو الارتقاء بالمستوى التعليمي والأكاديمي للطلبة، إلا أن التجربة أثبتت أن الطلبة اكتسبوا مهارات أخرى، مثل تعقب المشكلة، فهمها ومن ثم التعامل معها.

أوضحت المعلمة "نيها" أن التحدي الأكبر كان في إقناع البالغين المحيطين بالأطفال بجدوى أن يتركوا الأبناء يحاولون الوصول لإجابات على تساؤلاتهم دون تدخل منهم، إنها عملية تحول إدراكية هامة ولكنها ليست سهلة، كان الأبناء يذهبون في الصباح للمدرسة وتتفتح أذهانهم لبعض الأمور ويصعب عليهم فهم بعضها الآخر وبالتالي يلجأون لحواسيبهم للبحث عن الإجابة بأنفسهم، وهكذا ترك الأبناء لتصميم منهجهم في جو من الحرية والمرونة. وفي بعض الأحيان اعتبر الطلبة أن المدرسة ما هي إلا موفر للمادة التمهيدية، أما فضولهم الحقيقي فلا تشبعه إلا عملية البحث الذاتية والتعلم الذاتي.

 

مبادرة أميركية

أما على الطرف المقابل من الكرة الأرضية، وبالتحديد في ولاية Massachusetts الأميركية، فكان هناك آخرون يؤمنون أيضاً بأهمية أن تتاح الفرصة للطلبة كي يقوموا بالتحكم في مناهجهم من حيث اختيار المواد وترتيب عملية التعلم.

 

قامت مدرسة مونيمنت الثانوية في مدينة بارينجتون بولاية ماسيتشوتسس، بإتاحة الفرصة لعدد محدود من الطلبة لتصميم مناهجهم بصورة شاملة لمدة عام دراسي كامل، حيث اعتمدت العملية التعليمية برمتها لهذه الفئة على التعلم الذاتي والتشاركي. هذا البرنامج التجريبي كان ناجحاً بصورة كبيرة حتى أن الكثير من المعلمين بدأوا يرون الفرق ومن ثم يسمحون بمساحات أكبر من الحرية في اختيار وترتيب مواد المنهج لطلابهم، وبالتالي رويداً رويدأ بدأت فئات أوسع من الهيئة التدريسية بتبني مناهج التعلم الذاتي والتعلم التشاركي. كانت الفائدة الأولى التي أحست بها الإدارة المدرسية هي قيام الطلبة بتحمل مسؤولية تعلمهم، ما زاد من شغفهم وحماسهم للتعلم النشط، فبدأت تدب روح من الاهتمام ورغبة حقيقية في الاستزادة من العلم.

 

شروط نجاح هذه العملية أوضحتها الأستاذة مونيكا فوجلاي في حوار لها على موقع جامعة سانت توماس، حيث أوضحت أن الغاية من استراتيجية تحويل عملية تخطيط الدروس من كونها عملية يسيطر عليها المعلم بصورة كاملة إلى عملية يشارك فيها الطلبة، هذه الاستراتيجية تساعد على تنشيط الطلبة وإشراكهم في عملية تصميم العملية التعليمية، ولكن الأهم أنها وسيلة ناجعة في رفع احتياجات الطلبة وفهم جيد لتلك الاحتياجات.

 

 

ولم تنتهِ عملية إشراك الطلبة – والتي قامت بها مدرسة مونمنت الثانوية - عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل عملية التقييم، حيث وُجّه الطلبة إلى مهمة مشاركة المعلمين في وضع سلم الدرجات وتحديد معايير التقييم وأي منها لا بد أن يكون وزنه المعياري أكبر من الآخر، بناء على الأهداف التعليمية التي يتم مشاركتها بصورة واضحة للطلبة.

 

في الأردن

أما في عالمنا العربي وبالرغم من صعوبة أن نجد مثل هذه المنهاجية في التدريس وتناول العملية التعليمية، إلا أن الغريب أن نجدها وسط القطاعات الأكثر احتياجاً، ففي الأردن تم تصميم برنامج تعزيز الثقافة للمتسربين من قبل وزراة التربية والتعليم بالتعاون مع هيئة Questscope، البرنامج موجه للطلبة من 13-17 سنة وللطالبات من 13 - 20 سنة والذين حالت ظروفهم المعيشية أو الاقتصادية دون الانخراط أو الاستمرار في عملية التعلم في الإطار الرسمي، وبالتالي أصبحوا في عداد المتسريبن من العملية التعليمية. البنية المعرفية

والفلسفية التي بني عليها البرنامج هي أفكار بولو فريري الخاصة بالتعلم التشاركي وتحجيم دور المعلم وتحويل دوره من المسيطر الأوحد على العملية التعليمية إلى ميسّر لها مستفيداً من الخبرات الحياتية التي يأتي بها الطلبة ويمكن أن تكون نقطة انطلاق للبناء المعرفي.

 

يعتمد البرنامج على فكرة تحويل النمط التقليدي للدروس إلى حلقات نقاشية حول فكرة أو موضوع يحدده الميسر للعملية التعليمية، وتبدأ الحلقات بالعصف الذهني والحوار وتكتب الأفكار التي "تتولّد" من تلك النقاشات على "السبورة" ومن ثم يبدأ الميسر في التعامل مع تلك الأفكار التي يسميها القائمون على البرنامج "المنهج المولد" وينسج منها الدرس.

يدرك الميسرون أن عليهم ربط تلك الأفكار (المنهج المولد) بالأهداف التعليمية المحددة، وهي نفسها الأهداف التي بنيت عليها مناهج وزارة التربية والتعليم. أما الموضوعات التي يتم تناولها في البرنامج، فهي اللغة العربية والرياضيات بصورة مكثفة، أما موضوعات جسم الإنسان، التربية الوطنية، مهارات الحياة، فيتم تناولها بصورة متكاملة (متداخلة وليست موضوعات منفصلة) في ما يعرف عند التربويين بالمنهج التكاملي.

 

بالرغم من أن هناك قاعدة تتسع بصورة واضحة من المؤمنين بأهمية أن يتنحى المعلم قليلاً جانباً متيحاً الفرصة لطلبته لتحمّل مسؤولية تعلمهم من خلال مساحات من الحرية والمرونة في التعامل مع المنهج وأساليب تصميمه، إلا أن المعارضة لهذا التوجه ما زالت قوية ومتمسكة بالأسلوب التقليدي للعملية التعليمية التي يسيطر المعلم والإدارة المدرسية على كل أطرافها، وتزعم هذه الفئة أنه ليس من المنطق أن يترك لمن هم في طور النمو العقلي والذهني زمام عملية تعلمهم، وأن هذه المبادرات كلها في مراحلها الأولى وليست هناك تجارب متكاملة يمكن البناء عليها، إلا أن الزمن هو وحده الكفيل بتحديد أي من الطرفين سوف يثبت وجهة نظره وينجح في تطبيق أسلوبه التعليمي للمرحلة القادمة.

 

 

المساهمون