حواسم بغداد... مجتمعات عشوائية تخترق العاصمة العراقية

حواسم بغداد... مجتمعات عشوائية تخترق العاصمة العراقية

05 ابريل 2017
الصورة
من الصعب حلّ هذه المشكلة (صباح عرار/ فرانس برس)
+ الخط -
تعاني العاصمة العراقية بغداد من مناطق سكنية عشوائية نمت خصوصاً بعد الغزو الأميركي عام 2003. هذه المناطق تمثل مشكلة من الصعب حلّها خصوصاً مع استغلال مسؤولين لها، وحمايتها عبر المليشيات

معسكر الرشيد، والمدينة السياحية، ومعسكر خان بني سعد، وقيادة القوة الجوية العراقية السابقة، ومقرات حكومية وأخرى حزبية منتشرة هنا وهناك في العاصمة العراقية بغداد لم تعد كما كانت قبل الغزو الأميركي، بل أسماء لعناوين ظاهرة جديدة عرفها العراقيون منذ ذلك الحين باسم "مجمعات الحواسم".

هي مجمعات حكومية باتت مجمعات سكنية تقطن فيها آلاف العائلات النازحة من أرياف جنوب العراق. جمعت أفرادها الرغبة الجامحة في الانتقال إلى العاصمة ومحاولة الحصول على فرص عمل فيها.

المباني والمعسكرات وطريقة بنائها حكمت سكانها، فكلّ رب أسرة خصص جزءاً من هذا الصرح ليكون منزله. وبذلك، باتت لهذا المجتمع الخاص، الذي تقدّر تقارير حكومية عدد أفراده بأكثر من 120 ألف نسمة، عادات خاصة به.

يمتهن سكان تلك المجمعات كثيراً من الأعمال، منها ما يصل إلى التسول والتجارة بالممنوعات أو الانتماء إلى مليشيات مسلحة. كذلك، تعمل نساء كثيرات عاملات منزليات في العاصمة.
يبدي بعض المسؤولين العراقيين انزعاجهم من هذه التجمعات، لكنّ أحدهم يقول إنّ "طرد تلك الكتل البشرية من هذه المباني بات صعباً ويجب توفير ملاذ أو ملجأ بديل لهم. حالياً، لا طاقة للحكومة على ذلك بسبب الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد، كما أنّ الكثير من أبناء هذه التجمعات بات منتمياً إلى المليشيات التي تمتلك نفوذاً وتأثيراً على المؤسسات العراقية صاحبة القرار".


مهن عدة
في أبريل/ نيسان 2003 كانت بداية ظهور تلك المجمعات، فدخول تلك المباني والمعسكرات وسرقتها وتركها جدراناً فقط كان ملائماً للسكن فيها، ولهذا يطلق عليها اسم "الحواسم" وهو مصطلح شعبي يدل على السرقة. يقول علاء الجنابي (60 عاماً)، وهو عسكري متقاعد من سكان مدينة الأعظمية في بغداد لـ"العربي الجديد": "عندما تغيب الحكومة والقوانين، تحكم الفوضى الناس، فلا ضوابط تردع المخالفين والمتجاوزين".

يضيف: "لا أعتقد أنّ المباني الحكومية التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى بيوت وعشوائيات يقطنها كلّ من هبّ ودبّ أمر جاء بمحض الصدفة، أو لمجرد أنّ القاطنين فيها ليس لديهم سكن، بل إنّ بعض المستحوذين على تلك الأماكن ينتمون إلى أحزاب نافذة. يأتي ذلك خصوصاً أنّ مواقع هذه المباني مهمة وحيوية مثل بعض النوادي والمعسكرات وحتى المستشفيات في بعض المحافظات التي تحولت إلى مساكن لأناس لم يجدوا من يقف في طريقهم".

حسين كاظم (39 عاماً) أحد سكان مجمع حكومي سابق. يعمل موزعاً للصحف، بينما تعمل زوجته في مطبعة الصحف نفسها. لديهما ستة أولاد جميعهم ولد في هذا المبنى. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه جاء من مدينة العمارة، جنوب العراق، بعد الاحتلال الأميركي عام 2003. كان يومها في السادسة والعشرين واصطحب زوجته ووالديه أملاً في العثور على عمل ومستقبل مغاير. مع ذلك، رفض دائماً عروض العمل في الشرطة والجيش والمليشيات كونها "مهن موت... وأطفالي جعلوني جباناً". يضيف: "أسكن في غرفتين، إحداهما فيها حمام كبير يبدو أنّها كانت لضابط رفيع. حالياً، لا إمكانية لديّ لاستئجار بيت ومغادرة هذا المكان البائس. لست مرتاحاً هنا فالسكان أشكال وألوان من اللصوص وتجار المخدرات والمليشيات. وقد دخلت في عدة شجارات بسبب عدم احترام الآخرين مكاني، وبسبب سهرات الشبان ليلاً عند شباك غرفتي وكلامهم المليء بالشتائم على مسامع زوجتي". وبحسرة يقول: "بصراحة، لا أريد لأولادي أن يكبروا هنا في بيئة قذرة، كما أنّي لا أستطيع العودة مرة أخرى إلى القرية التي كنت فيها، فهناك بؤس كبير ولا عمل أو رزق فيها".
بحماية المليشيات
يعتبر سكان تلك العشوائيات مصدراً مهماً للسياسيين، فأصواتهم يمكن شراؤها في كلّ انتخابات بتقديمات يحتاجونها ووجبات طعام فاخرة. وذلك يشكّل عاملاً آخر يمنع التحرش بهم أو إخراجهم أو حتى تصحيح أوضاعهم فالأحزاب تتنافس على رضاهم كما يقول البرلماني السابق محمد الجاف. يضيف لـ"العربي الجديد": "في الانتخابات الماضية وزع المرشحون على الأهالي دجاجاً مشوياً وبطانيات وثلاجات لانتخابهم. ومن دفع أكثر ومن تعهد بعدم إخراجهم من المكان في حال فوزه حصل على أصواتهم. حتى إنّ بعض المرشحين وعدهم بتمليكهم ما يقطنون فيه من مساكن". يصف الجاف الأمر بأنّه وجه آخر للفساد السياسي في العراق.

وتنتشر عند بوابات تلك المجمعات صور لمراجع دينية وشخصيات مقدسة وشعارات دينية مختلفة يضعها أهل تلك المجمعات كنوع من الحماية لهم كما يقول علي جابر (41 عاماً) لـ"العربي الجديد". يؤكد أنّ "تلك الصور والشعارات رسالة لمن يحاول طردنا أنّنا لسنا وحدنا، بل هناك من يدعمنا" في إشارة منه إلى المراجع الدينية النافذة في البلاد.

كذلك، فإنّ كثيراً من السكان ينتمي إلى المليشيات التي تتجنب الحكومة الاحتكاك بها، أو افتعال إشكالات معها هي في غنى عنها.

البعض يشيطن هذه المجمعات. وهو ما يتحدث به ضابط في الشرطة العراقية يقول إنّ نحو 60 في المائة من الجرائم في بغداد كالقتل والخطف والسطو المسلح والسرقة والاحتيال تخرج منها. ويشير كذلك إلى أنّ نحو 80 في المائة من السكان أمّيون، خصوصاً الأطفال الذين ولدوا فيها على مدى 13 عاماً. يتابع لـ"العربي الجديد" أنّه بالرغم من الممنوعات المنتشرة هناك فإنّ الشرطة تحتاج إلى غطاء سياسي كبير للدخول إليها والعثور على ضالتها.

مشاكل
بدوره، يقول المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي لـ" العربي الجديد" إنّ هذه المشكلة تعتبر طارئة على العراق، كما أنّ أغلب السكان هناك يعتبرون معتدين على ممتلكات الدولة ومن الصعوبة معالجة ذلك في ليلة وضحاها" يلفت إلى أنّ مجمعات الدولة ومبانيها التي تشغلها الآن آلاف العائلات في حاجة إلى خطة لمعالجتها.

في هذا الإطار، يوضح أنّ الوزارة أعدت في وقت سابق مسحاً عن العشوائيات نفذه الجهاز المركزي للإحصاء أواخر عام 2013، وأظهر أنّ عدد المساكن العشوائية على مستوى محافظات العراق بلغ أكثر من 300 ألف مسكن بنسبة قدرها 7.3 في المائة من إجمالي عدد المساكن في العراق التي تقدر بنحو 4752 مليون مسكن. وقد سجلت محافظة بغداد أعلى نسبة قدرها 33.4 في المائة من مجموع المساكن العشوائية.

يقصد بالعشوائية سواء تلك المساكن التي شيدت على أراضٍ مملوكة للدولة أو مبانٍ تابعة للدولة أصلاً ويسكنها مواطنون من دون غطاء قانوني.

من جهته، يقول أحد تجار بيع المواد الغذائية في مدينة الدورة ويدعى أبو صفا (40 عاماً) إنّه يعرف كثيراً ممن يقطنون في معسكر الرشيد سابقاً، هو أحد المباني الحكومية التي تحولت الى سكن عشوائي. يتابع: "لدي العديد من الأصدقاء يسكنون في المعسكر بعضهم يأتي ليتبضع ويسترزق داخل المبنى الذي كان في ثمانينيات القرن الماضي خاصاً بالجيش العراقي، إلا أنّ هذا المبنى الكبير بات أكبر سكن عشوائي في بغداد، وهو يضم مئات العائلات التي وزعته في ما بينها بشكل غير نظامي وغير حضاري وهو ما يؤثر سلباً على الخدمات في المدن والأحياء القريبة من المعسكر لا سيما سكان منطقة الزعفرانية. يشير إلى أنّ سكان المعسكر يسحبون المياه من الزعفرانية ويسرقون الكهرباء، فضلاً عن تكدس النفايات وعدم اهتمام الحكومة بهذه الشريحة التي تمثل نسبة لا يستهان بها في بغداد.

من جهته، يقول الناشط المدني محمد علي لـ"العربي الجديد" إنّ أجهزة الدولة لم تبالِ بخطورة مشكلة التعدي على المباني الحكومية أو الأراضي الزراعية وغيرها، ولم تتخذ أيّ إجراءات لمواجهتها منذ البداية، بل تركت الإسكان العشوائي ينمو وينتشر خصوصاً في العاصمة بغداد. وما زاد الأمر تعقيداً عمليات النزوح منذ منتصف عام 2014 التي وسعت دائرة العشوائيات في البلاد. يشير إلى أنّ بعض الجهات السياسية كانت تغض الطرف عن تلك المشكلة وتسكت عنها، لأنّ فتح الملف يكلفها المزيد من النفقات، فيما الدولة في غنى عن أيّ أعباء إضافية. يتابع: "لا بدّ من معالجة هذه المشكلة وإيجاد حلول جذرية عاجلة من شأنها أن تمنح هؤلاء السكان أملاً في حياة كريمة".