حوار في ليل متأخر

19 ابريل 2014   |  آخر تحديث: 04:38 (توقيت القدس)

سوق مغربي

+ الخط -
ما هي الحاجة اليوم في المغرب إلى حوار بين العلمانيين والإسلاميين؟
سؤال تطرحه المبادرة التي اتخذها مركز ابن رشد للديموقراطية والتواصل، بجمع مسؤولين في بعض تنظيمات اليسار وفي التنظيمات الإسلامية، حول مائدة واحدة، للتفكير في مستقبل الإصلاح بالمغرب، وفي مستقبل العلاقة بين الإسلام السياسي والعلمانية. وأعتقد أن المبادرة ارتكزت على أمرين:
الأول يتعلق بما أسفر عنه الربيع العربي من تناقضات مربكة، من تجلياتها خروج ملايين المتظاهرين خارج تأطير المجتمع السياسي، بعلمانييه وإسلامييه، وإسقاط ديكتاتوريات مستحكمة، ثم إجراء انتخابات عامة، فاز فيها الإسلاميون، لتبدأ مرحلة جديدة من "سقوط الأوهام"، ستطبعها التجربة المصرية بصراعٍ دمويٍّ مهّد الطريق لعودة العسكر، والتجربة التونسية بنجاحٍ نسبيٍّ وهش، من خلال التوافق على دستورٍ داخل الجمعية التأسيسية، والتجربة الليبية التي أفضت إلى إغراق البلاد في الفوضى والتقسيم، وتجارب اليمن والخليج وسوريا التي لم تخرج بعد من النفق.
نماذج متباينة أنتجت أنماطاً مختلفة من الخوف، الخوف من الشارع، والخوف من الديموقراطية، الخوف من الاستبداد الديني، والخوف من الاستبداد المضاد له، الخوف من تقسيم الوطن عند إسقاط النظام، والخوف من عودة النظام من النافذة، بعد طرده من الباب.
وعلى هذه المخاوف، يبنى سؤال أساسي: هل يمكن تحضير المستقبل، عبر حوار عميق ومتحرر من ضغائن الأيديولوجيا والمواقف المسبقة، قبل النزول إلى الشارع، لحسم الصراع حول مستقبل التغيير، مع ما يحتمله هذا النزول من قفز في المجهول؟
والأمر الثاني يتعلق بتجربة المغرب، بعد نزول شبابه إلى الشارع، وتأسيسهم حركة 20 فبراير، فقد أدى ذلك إلى حدوث نوع من " الضربة الإصلاحية الاستباقية"، رسم ملامحها الخطاب الملكي ليوم 9 مارس/آذار 2011، والاستفتاء على الدستور الجديد، وفوز العدالة والتنمية (حزب إسلامي "معتدل") في الانتخابات التي تلته.
وغير خافٍ على أحد أن امتصاص فورة الشارع، بهذه الضربة الاستباقية، نجح إلى حد بعيد، لكن التغيير المنتظر لم يحصل بالنجاح نفسه، وقد ترتب عن هذا الوضع شعور بالخيبة من فشل الشارع في فرض منطق الإصلاح الذي انتفض من أجله، ومن فشل التفاوض السياسي المرتب، في إنتاج إصلاحٍ مقنعٍ، يطوي، بصفةٍ نهائية، صفحة "المرحلة الانتقالية". وقد ترسخت بهذه الخيبة قناعةٌ يقتسمها كثيرون بأن الخروج من حلقة الاستبداد والفساد لا يمكن فقط بالاعتماد على التوافقات السياسية الفوقية، فقد أثبتت تجارب سابقة، بما فيها تجربة ما بعد 20 فبراير/شباط، أن النظام ينجح دائماً في جر الغطاء نحوه، وهذا ما يجعل العلمانيين والإسلاميين يطرحون اليوم سؤال الفعالية، أي كيف يتحولون إلى قوة تفاوضٍ، بصوت واحد على الانتقال الديموقراطي، في وقت تعتبر فيه جل الأطراف السياسية الأخرى أن مسألة الإصلاح قد حُسمت بالاستفتاء الشعبي.
ولتحقيق ذلك، يدرك الطرفان أن عليهما بناء جسور الثقة، والتوجه إلى المستقبل، بإرادة مشتركة، لا تسمح لأي طرف بالاحتماء من الآخر بالنظام. لقد جرى اليسار طويلاً خلف بناء جسور الثقة مع المخزن، ويجري الإسلاميون، اليوم، وهم في الحكومة، خلف الجسور نفسها، ولكن المخزن، حتى عندما يمن بالثقة، فإنه لا يمن بالتنازلات المرتبطة بها.
هل سينجح هذا الحوار الذي يبدو مستحيلاً، لكثرة ما راكمه الطرفان من رفض متبادل؟ لا شيء يسمح بتأكيد ذلك، لكن، من المؤكد أنه في ذهن كل المشاركين في الحوار أَن المغرب، حتى وهو يعطي انطباعاً خادعاً بأن لا شيء يحدث تحت قشرته الهادئة، فإنه اليوم، بعد تناوب أول يساري، وتناوب ثان إسلامي، قد أحرق في فرن التناوب أهم أحزابه السياسية، أو لنقل إنه استنزفها حتى النخاع، فلم يبق إذن (على الأقل حسب جل المتحاورين) سوى الشارع، وجماعة العدل والإحسان الإسلامية، وبعض أصوات اليسار. هل سيعيد هذا الثلاثي إلى جدول الأعمال سؤال الإصلاح الدستوري، وهل سيحيي فكرة الجمعية التأسيسية التي قتلها التوافق؟
هذه هي الأسئلة الكامنة وراء الحوار، والتي قد يجيب عنها إذا استمر، وكان حواراً استراتيجياً، وليس مجرد رياضة ذهنية.
F9F7206E-7CC0-434F-B4BD-52CD7C8DA5F3
محمد الأشعري

كاتب وشاعر وروائي مغربي، وزير سابق للثقافة والإعلام في المغرب، ونائب سابق في البرلمان. مواليد 1951. ترأس اتحاد كتاب المغرب، له عشرة دواوين، وفازت روايته "القوس والفراشة" بجائزة البوكر العربية.