حوارية محمد علي ووائل غنيم

05 ديسمبر 2019
الصورة

وائل غنيم ومحمد علي

+ الخط -
واحد عاقل جدا، وهو وائل غنيم، وإنْ تظاهر بسلوك المجانين، كي يثبت أنه لم يعد لديه ما يخاف عليه، وواحد مجنون "فنيا"، حتى وإنْ تظاهر بالتعقل والعقل. مساحة من قهر الغربة تجمع الاثنين، رغما عن كل ما يفرقهما. لا يدّعي محمد علي كثيرا عن معرفته باللعبة السياسية، ولكنه يملك براءة الفعل وفطريته، على الرغم من المخاطر. ووائل يمتلك تجربة تسع سنوات اكتوى بنار أوائلها وابتعد أكثرها، ظنا أن النار لن تصل إليه فوصلت إلى أخيه، وهي بالطبع نارٌ مهما كان بعده. 
تسع سنوات رأى واختبر وعرف وابتعد، حتى وصل إلى اللعب تارة، والعقل تارة، وعدم الخروج على النظام، لأن ذلك بات مكلفاً بأي شكل، بل يطالب بجسّ النبض، نبض النظام، والانتظار، وأيضا فتح أي حوار بأي شكلٍ كان، وذلك لأن النظام يمتلك القوة والغشم أيضاً.
إرادتان بعيدتان، محمد ووائل، لكن فيهما احتراما للفهم، فهم الآخر المغاير، على الأقل إلى الآن. محمد علي يقف على مساحةٍ جماهيريةٍ تدفقت عليه في أشهر قليلة جداً، أهّلته لاحتلال ثقةٍ في قلوب كثيرين من المتابعين والمحبين والأنصار، حتى من داخل النظام نفسه، كما أعلن. ووائل يمتلك خبرة قديمة في التعامل مع الثورات، أهلته لأن يتعامل بحرص، ويعرف ما يلزم من العاطفة وما لا يلزم.
ليس محمد علي مأزوما بتاريخ، لأنه تجاوز تاريخه الشخصي والعملي بسرعةٍ فائقة، يحسده عليها الجميع بالطبع. وائل ما زال مأزوما بما فعل، وقد أقر بذلك مراراً، وأقصد فعل الثورة، تلك الثورة التي لم يحسبوا حسابات أواخرها، ولم يكن لهم أي حساباتٍ بعدها.
محمد علي، حتى سنة مرّت، لم تؤهله الحياة لأي أزمة. محمد مغامر وفنان، ووائل له حسبة السياسي الذي لم يخرج سالما بعدما ترك ساحتها مجروحاً. طائران يحاولان التحليق، أولهما، وهو وائل غنيم، انكسر له جناح خلال تسع سنوات، ومحمد علي لم يصبه الانكسار بعد، كل واحد منهما يحاول أن يقترب من الآخر بحذر.
محمد علي أقل حذرا بكثير، بحكم أن خصوماته مع الناس التي تحبه تكاد تكون معدومة، عكس وائل الذي دخل المجمرة من سنوات. هل شراكتهما، أو تقاربهما، سيوفر لهما مناخا جيدا كي يحققا حلم الناس (أو الشعب) بتعبير محمد علي، الدائم بإزاحة هذا الكابوس الدموي، أو يحقق لهما توافقا جميلا يستر الاثنين (الشعب وهذه السلطة)، ويصلا من خلاله إلى "تواصل مع السلطة" بعد كسر سمها وطغيانها (بقصد التفاهم) كما يرغب وائل غنيم، على غرار ما حدث في السودان من شهور، وإن كان محمد علي قد قطع هذا الخيط تماما.
هل يريد وائل غنيم من محمد علي أن يراجع خطواته، ولو حتى على حساب "التواصل" مع السلطة؟ ما زال وائل مجروحا من الإخوان المسلمين، على الرغم من أن هؤلاء لم يجرحوا عاطفيا أو نفسيا، بل قتلوا، وسُجنوا وصودرت أموالهم، ولم يدخل محمد علي التجربة بعد.
وائل يحذّر محمد علي علنا من "الإخوان" في الحوار. وائل يلعب لعبتين، يحاول أن يبعد محمد علي عن "الإخوان"، بحجة أنه مارس تلك اللعبة زمان ولم تثمر، أو لم يخرج من التجربة بشيء. وفي الوقت نفسه، يحاول أن يقترب من جنون هذا الفنان، ويشاركه اللعبة أيضا والحماس. ومحمد علي يريد أن يلعب مع الجميع اللعبة كاملة، من غير حذر أو تخوين. محمد يمتلك تجربة الحياة مع الناس والعمل والصياعة والتمثيل والمقاولات، ثقة في البشر لم يمتلكها وائل.
محمد علي ابن الناس (ناس العمل والحياة اليومية)، ووائل ابن الجيتو البرجوازي الذي ما زال يبحث عن زيادة رصيده البنكي (بالحلال بالطبع)، ويسعى إلى المزيد بالعمل، وائل يعلن رصيده البنكي (بطاقة شرف مهني)، ومحمد علي لا يعلق، لأنه لا تهمه هذه الأشياء، فقد ترك خلفه ما هو أكثر بكثير من دون وجيعة، وجاء كي يسلك هذا الطريق بمشاعر ابن البلد، حتى وإن امتلك الكثير.
محمد علي يغامر، ووائل يحسب وينتظر، يمتلك رصيدا معرفيا يحاول به أن يستقطب محمد علي إليه، ومحمد علي يمتلك محبةً جارفةً من خلالها يتلمس الطريق. محبة جاءته في شهور من السماء، كالتي جاءت لأدهم الشرقاوي، مثلاً. وهذا يحاول جر الآخر إلى مدّه، والثاني يحاول جر الآخر إلى جزره، ومصر المسكينة تنتظر فتحاً من الله أو من الشعب.