حواجز بين الكاتب وذاته

26 ابريل 2019
الصورة
ممدوح عمّار/ مصر
+ الخط -
حياتنا الإنسانية عميقة متّسعة الجوانب، لأنها خاضعة دائماً للتطوُّر والتغيُّر القائمَين على صراع الفرد مع ذاته من ناحية، ومع بيئته من ناحية أخرى. ولمّا كانت ميزة الشاعر الخاصة تنبع من دقّة إحساسه وتنبُّهه لهذا الصراع، فإن هذا يقودنا إلى أن الشاعر لا بد له أن يكشف لنا عن مظاهر هذا الصراع بما فيه من خصوبة وعمق.

وتنبع قيمة الشاعر الحقيقية من عمق اكتشافه وخصوبته، ولا بد لذلك من وعي حقيقي حر يساعد على اكتشاف ذاته وذوات الآخرين من حوله. وإصرارُنا على أن يكون هذا الوعي حقيقياً حراً يرجع إلى أننا لا نريد أن تتسلّط على الشاعر فكرةٌ أو قيمة خالصة تطمس جانباً من جوانب الحياة من حوله، خاصة قبل اكتشاف الشاعر لحقيقته الخاصة ووعيه الصادق بالآخرين.

ونريد أن نُقدّم مثالاً يُلقي، على سذاجته، بعض الضوء على القضية التي نقدّمها؛ فالمرأة التي تعرض جسدها للراغبين من وجهة نظر الدين ونتيجةً لقيمه امرأةٌ زانية من حقّها أن تُرجم، وينظر إليها رجل الاقتصاد باعتبارها نتيجة للأزمة الاقتصادية الآخذة بخناق المجتمع.

أمّا نظرة الأديب، فيجب أن تكون أوسع وأعمق، فهو إلى جانب وعيه للحقائق السابقة، يرى هذه الفتاة كإنسانة من حقّها أن تعيش، وينظر إلى جهدها المضاع، وزيف حياتها، ويعيش مشكلتها قبل أن يُصدر حكمه عليها. وهذه النظرة تحتاج إلى أن تكون كلُّ أبواب نفسه مفتحة، ولو أن فكرة معينة أو مثالية سيطرت عليه، لخفيت عليه من الظاهرة جوانب عديدة، لا بد من خنقها حتى تسلم له قيمه الخاصة.

وإذا حاولنا النظر إلى ضوء هذه الحقيقة، أدركنا أن الشاعر العربي لم يُتَح له يوماً أن يتحرّر التحرُّر الذاتي الكامل، الذي يسمح له بإدراك الجوانب الخفية والعميقة من الحياة، وهذا يُردّ إلى أسباب خطيرة ترتبط بماضيه البعيد وحاضره القريب، وسنحاول رسم بعض الخطوط السريعة لتاريخ هذا الشعر، كاشفين عن الأسباب التي أعطت الشعر العربي هذه الصورة الخاصة.

يذكر لنا المؤرّخون، في ما يذكرون عن المجتمع الجاهلي، أن القبيلة كانت إذا نبغ فيها شاعر من الشعراء دقّت طبولها، وأرسلت مبشّريها، وأقامت الأعياد والولائم على شرف شاعرها، وأتت القبائل الأخرى لتهنئها، لأن الشاعر لسانها المدافع عن أحسابها، والمتحدّث عن مفاخرها، والرادّ كيدَ أعدائها.

والخبر عظيم الدلالة شديد الخطورة في الوقت نفسه، لأنه يدلّنا على أن للشاعر وضعاً اجتماعياً معيّناً في القبيلة هو الدفاع عن مُثلها الموجودة وتثبيت هذه المُثل والترويج لها تجاه الآخرين.

وخطورة الفكرة تنبع من أن الشاعر الجاهلي، بهذه الوضعية، كان منفعلاً أكثر منه فاعلاً، وكانت هذه المُثل الاجتماعية تقف حائلاً بين الفرد وبين اكتشاف ذاته واكتشاف ذاتية الأحياء من حوله، وتحدّث الشاعر عن الأشخاص الذين يمثّلون قيماً اجتماعية، قبل أن يتحدث عن الذين يمثّلون قيماً إنسانية.


* من كتاب "حول الأديب والواقع"، الفصل الثالث "الشعر العربي التجربة الإنسانية"، 1971

المساهمون