حنين إلى زمن الاستعمار!
تداول السودانيون، أخيراً، عبر وسائل التواصل الاجتماعي نص مقابلة صحافية مع سيدة سودانية، تم تعريفها بأنها أستاذة تاريخ في جامعة سودانية، الدكتورة أحلام حسب الرسول، وقد أجرى المقابلة مراسل صحيفة عربية، بعدما تمكن من الوصول إلى الدكتورة في مصحة نفسية، مودعة فيها، ليجري معها الحوار، وعلى الرغم من أن هذا الحوار يبدو مختلقاً ومع شخصية مختلقة، إلا أن مضمونه لاقى رواجاً كبيراً وتم تداوله على نطاق واسع، وبات محل نقاش في محافل كثيرة، بل ولن نفارق الحقيقة إن قلنا إن كثيرين استصوبوا ما ذهبت إليه أستاذة التاريخ المتهمة بالجنون في المقابلة.
جاء في استهلال المقابلة، أن أحلام حسب الرسول أسست حركة سياسية تطالب بعودة الاستعمار إلى السودان، أطلقت عليها اسم "حركة المطالبة بانتداب دولي"، وكونت لها اسماً مختصراً من حروفها الأولى "حمد". وتتهم حسب الرسول النخب السياسية التي حكمت السودان، منذ استقلاله عام 1956، بالفشل فى بناء دولة متحضرة ومستقرة الجوانب والأركان، وتذهب إلى أن هذه النخب التى تداولت الحكم والمعارضة، بعناوين مختلفة من ديمقراطية وعسكرية واشتراكية وإسلامية، إنما هي مجرد مافيا تجمعها مصالح واحدة، على الرغم من التباين الظاهر على توجهاتها السياسية، مستدلة على أن هذه النخب لم تجرؤ يوماً على محاكمة نظام سابق لها على جرائمه المرتكبة، سواء على الأنفس أو المال العام، ولا يقتصر موقفها على النخب الحديثة والمعاصرة، بل يبدأ ذمها بعهد الثورة والدولة المهدية أواخر القرن التاسع عشر.
وقالت الدكتورة أحلام للمحرر إنها "تفزع لو تخيلت فرضية أن دراويش المهدية انتصروا في كررى، موقع المعركة التي هزم فيها الجيش البريطاني، جيش المهدية في سبتمبر 1898 شمال مدينة أم درمان، وهزموا الإنجليز. تخيل كيف سيكون الوضع؟ ونحن نلبس جلابيب مرقعة، وسبحة ضخمة تتدلى من أعناقنا، ويجري ختان أي أجنبي موجود في الوطن".
والواقع أن السودان، قبيل استقلاله، طالب بعض مواطنيه بعدم خروج الانجليز إطلاقاً، وعدم ترك مصيره لأبنائه، سواء للمطالبين منهم باستقلاله أو الآخرين المطالبين بوحدته مع مصر، وقد أسس رجل أم درماني كان يعمل قصاباً، ويدعى الحاج الطاهر أزرق، حزباً سياسياً دعا إلى استبقاء البريطانيين حكاماً للسودان، والواقع أن الإنجليز فى إدارتهم السودان، اتبعوا نظام الحكم غير المباشر، الذي قام على استبقاء زعماء العشائر والقبائل على رأس قبائلهم، واستخدامهم أدوات لتنفيذ سياساتهم في حكم البلاد.
وجاءت نظم الحكم الوطنية بعد الاستقلال لتهدر كل الأحلام، بسبب انشغالها بالصراع على السلطة، تحت لافتات نظم الحكم المختلفة، عسكرية وديمقراطية، فعادت البلاد القهقرى، وعادت شعوبها تتطلع لما وراء البحار، لعل من استعمروهم يعودون إلى إصلاح ما خربته عهود الاستقلال، أو الاستغلال، لا فرق.