حميد بن عمرة: هواجس المخرج المنفرد بنفسه

05 مارس 2016
الصورة
المخرج في بورتريه لـ سعد بن خليف (العربي الجديد)
+ الخط -

يلتقي المخرج الجزائري، حميد بن عمرة، بممثّل سبق أن شاهده على شاشة التلفزيون قبل أربعين عاماً، ليجعل منه محورَ حكاية يرويها فيلمه الطويل "هواجس الممثّل المنفرد بنفسه" (103د، 2015) وفق نمط سينمائي لا يُريد أن يكون روائياً تماماً، ولا وثائقياً تماماً، وبينهما يمتدّ خيطٌ من التجريب الذي يجمع عناصر الحكاية حيناً، ويشتّتها أحياناً أخرى.

إنه فيلم عن الممثّل/ الفنان الجزائري؛ هواجسه وأحلامه وخيباته اليومية. ذلك ما يبدو للوهلة الأولى، لكن متابَعة العمل، الذي يمتدّ إلى قرابة ساعتين، تجعله يتكشّف عن موضوعات أوسع من تلك الجزئية بكثير؛ إذ تتّسع لتحيط بأسئلة تذرع "الوطن" تاريخاً وجغرافيةً.

ثمّة أكثر من سبب ليكون "الممثّلُ المنفرد بنفسه" هو محمد أدار. يقول بن عمرة في حديث مع "العربي الجديد: إن أدار "دخل شاشتي الصغيرة منذ أربعين عاماً، من خلال مسرحية (الخبزة) للمسرحي الراحل عبد القادر علّولة. ومن حينها، بقي ذلك الكاتب العمومي (الشخصية التي جسّدها في العمل) عالقاً في ذهني"؛ فالمسرحي الحاضر على الخشبة الجزائرية منذ أكثر من نصف قرن قدّم خلاله قرابة خمسين عملاً مسرحياً، ظلّ على الهامش دائماً، ككثير من المسرحيين الجزائريين البارزين. لم يقترب من أضواء السينما، ولم تقترب منه.

محمد أدار هنا، إذن، جزءٌ ينطلق المخرج منه ليضيء على الكلّ. مع ذلك، يؤكّد أنه "ليس ناطقاً رسمياً باسم الممثّلين الجزائريين. هو لا يسمح لنفسه بأن يتحدّث نيابةً عن الآخرين".

يضيف، متحدّثاً عن جعله الممثّل أدار، تحديداً، والممثّل الجزائري، بشكل عام، موضوعاً محورياً في الفيلم: "أحب الممثّل لأنه وجهك ووجهي ووجه الجزائر، التي ما زالت تحمل أحلام طاولات مدارسنا؛ فأنا لم أزل أذكر قَسَم نشيدنا ووعود الثورة العالمية ضد الإمبريالية. أحبّ الممثّل أدار لأنه، مثلي، يرفض أن يُسلِّم بأن الحلم انتهت مدّة صلاحيته، وأن الثورة قد استولى عليها أصحاب الحزب الذي لم يرحل".

من هنا، يبدو "هواجس الممثّل المنفرد" هاجساً شخصياً يحمله المخرج معه منذ طفولته: "لم أكن أعرف، وأنا في العاشرة من العمر، أن الثورة الزراعية وهمٌ تبخّر بزوال شعار (من أجل حياة أفضل)، وأن السينما حكرٌ على طبقة فرنكوفونية متعالية بخيال عقيم ورؤية فنية سقيمة. لم أكن أعرف أن الجزائر جنّة في كتب القراءة فقط، وأن الشارع يكذّب كل يوم قراءتي. لم أكن أعرف، في العاشرة، بعدما شاهدت فيلم (الجحيم في سن العاشرة)، أن السينما أيضاً قد تلحق بالواقع".

منذ البداية، يحضر هاجس الزمن بشكل طاغِ. عبارة "لا أخاف من الموت، لكن من الوقت" التي يبدأ بها الفيلم تلخّص ذلك. يستهلّ المخرج عمله بمشهد للممثّل وهو يستقلّ قطاراً إلى وجهة ما. غير أن الرحلة لن تكون مكانية بقدر ما ستكون زمنية؛ إذ يرحل أدار، عبر تداعيات ذاكرته، إلى الماضي، مستحضراً صوراً من التحضيرات اليومية لمسرحية جديدة يجسّد فيها شخصية "حمّة"، الإسكافي الذي يحلم بتأسيس حزب سياسي يترشّح من خلاله إلى الانتخابات الرئاسية. من هنا، يضيء على قضايا ومسائل عاشتها الجزائر: الثورة التحريرية، العشرية السوداء وضحاياها من الفنانين، متنقّلاً في ذلك بين المسرح والسينما.

لماذا المزج بين الروائي والوثائقي؟ هل كانت إحدى الصيغتين لوحدها ستكون عاجزةً عن قول ما أراد المخرج قوله بالطريقة التي يريدها؟ يجيب بن عمرة على السؤالين بجملة من الأسئلة الأخرى: "ما هو الواقع وما هي الحقيقة في النهاية؟ ما هي الحدود بين الخيال والمُعاش؟ وهل تحتاج الحياة إلى أن نصوّرها أم يجب أن نعيش كل لحظة فيها؟".

يضيف: "الروائي لا يختلف عن الوثائقي إلا في طريقة السرد. السينما، في جوهرها، تساؤل حول ماهية الحياة. إنها الحياة نفسُها في إطار. الإطار هو حدود الحياة. بهذا المنظور، أترقّب الزمن والحركة. العدسة ليست إلا مرآة لها ذاكرة. الراوي ليس دوماً مخرج الفيلم، بل أبطال القصّة، والموثّق ليس دوماً حامل الكاميرا بل الوجه الذي يستقطب العدسة".

يصف المخرج علاقته بمفهومي الواقع والخيال بأنها متداخلة، وبأن كليهما يتغذّى من الآخر: "ليس هناك عجز عن قول الأشياء وفق هذه الصيغة أو تلك، بل هو مزج مقصود أنتقل فيه من المسرح إلى السينما، ومن الأرشيف إلى الخيال".

يعتقد بن عمرة أن هذا التداول في أنواع السرد يعطي للفيلم بنية متماسكة تتيح له الانتقال بحرية من مشهد إلى آخر، لكنه يضيف: "المخرج لا يختار دوماً أسلوباً معيّناً. أحياناً يفرض الموضوع على الكاميرا نوعاً محدّداً من التأطير والتركيب".

تحضر في الفيلم فكرة الخوف التي يعبّر عنها الممثّل بقوله "تخاف أن تفكّر، تخاف أن تعبّر، تخاف أن تخاف". يحضر أيضاً مفهوما الغياب والحضور، من خلال عبارة نسمعها على لسان الراوي: "السؤال هو ليس لماذا غادر بل لماذا لم يبق".

يقول بن عمرة معلّقاً على العبارة الأخيرة: "أدار يمثّل حضوراً للمسرح الجزائري. العدسة تستحي أحياناً من وجهه المرصوص الذي تحمل تجاعيده تضاريس حياة بكاملها. لكنه أيضاً الغائب عن الشاشة السينمائية الجزائرية. إنه الشاهد على سينما المقاومة التي أصيغها لقطة بلقطة".



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضدّ أعداء الحلم
بدأ بن عمرة تصوير الفيلم عام 2008 وانتهى منه العام الماضي، بين الجزائر وتونس وفرنسا، بإمكانياته الخاصّة، ومن دون أن يحصل على تمويل في الجزائر أو فرنسا: "حتى أن محمّد أدار شارك من دون مقابل، ودفع ثمن تذكرتي سفره إلى تونس وفرنسا". يفضّل المخرج أن يصف عمله بأنه "ملغّم ضدّ أعداء الوطن وأعداء اللغة العربية وأعداء الحلم. من هنا، فسحة لشيخ هرم في دفاتر مسرحه القديم. إنه حلم سينمائي يمتد حسب حلم المشاهد".



اقرأ أيضاً: فيصل الأحمر: الكتابة خارج أنماط المجتمع العاقل

دلالات

المساهمون