حمل السلاح في الولايات المتحدة.. حق يراد به باطل

25 يونيو 2016
الصورة
مبيعات السلاح تشهد رواجاً كبيراً(Getty)
بعد مرور أيام على مذبحة أورلاندو في ولاية فلوريدا الأميركية، والتي سقط خلالها 49 قتيلاً رمياً بالرصاص، تلقى متجر أميركي لبيع السلاح عبر الإنترنت، أكثر من ثلاثين ألف طلب شراء لبنادق آلية ومسدسات مختلفة الأنواع.

ولفت مالك المتجر، الذي يقع في ولاية بنسلفانيا، إلى أنّ مبيعات السلاح تشهد رواجاً كبيراً بعد كل هجوم، إذ ترتفع أصوات المطالبين بحظر أنواع معينة من الأسلحة الأوتوماتيكية، وتشديد شروط اقتناء أنواع أخرى، الأمر الذي يثير قلق الكثيرين من ألا يتمكنوا لاحقاً من اقتناء ما يفضلونه من بنادق، وعندها يسارع هؤلاء لشراء الأسلحة، فترتفع حركة المبيعات إلى نسب قياسية.

وقد ارتفعت مبيعات متجر آخر يقع في ولاية فرجينا بنسبة 300 في المئة خلال الفترة ذاتها، وفقاً لما أوردته مصادر إعلامية محلية.

يذكر أنّ بإمكان المواطن الأميركي شراء سلاح من متاجر التجزئة، أو من مواقع البيع على الإنترنت بكل سهولة، غير أن إخفاء السلاح تحت معطف حامل الترخيص أو داخل خزانة سيارته، يخالف قوانين الكثير من الولايات.

وتشترط القوانين وضع المسدس على الخصر بشكل ظاهر، أو على الرف الأمامي للسيارة تحت الزجاج، أمّا إذا كان السلاح في المنزل فمن ضمن شروط الاقتناء أن يتم إفراغ السلاح من الطلقات، وإخفائه في خزانة حديدية بعيداً عن متناول الأطفال.

ومن المفارقات أن الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما يُوصف بأنه من أكثر الرؤساء الأميركيين معارضة لاقتناء الأسلحة الشخصية، خصوصاً الهجومية، ومع ذلك شهدت تجارة السلاح الفردي والبنادق الأوتوماتيكية في عهده أعلى رواج في تاريخها.

وفي سعي من البيت الأبيض لدفع "الكونغرس" إلى سن تشريعات جديدة عقب هجوم أورلاندو، جدّد أوباما دعوته إلى اتخاذ تدابير أكثر صرامة على تجارة الأسلحة النارية، قائلاً لأسر ضحايا الهجوم إنّ "سهولة الحصول على بنادق هجومية سريعة الطلقات يلعب دوراً كبيراً في تزايد عمليات إطلاق النار، وارتفاع أعداد ضحاياها بشكل غير معقول".

تجارة الموت

ولدى عجز الديمقراطيين عن فرض مشاريع قوانين جديدة للحد مما يسمونه بـ "تجارة الموت" في الولايات المتحدة، لجأ بعض أعضاء مجلس النواب من الحزب الديمقراطي بمن فيهم العضو البارة نانسي بيلوسي، أول من أمس الخميس، إلى الاعتصام داخل القاعة الرئيسة للمجلس، قبل أن ينجح رئيس المجلس بول ريان في فض الاعتصام، وإرسال معظم المعتصمين إلى منازلهم، مع وعدهم بمناقشة مطالبهم عقب عطلة عيد الاستقلال في الرابع من يوليو/تموز المقبل.

ولكنّ السؤال، لماذا يلجأ مثل هؤلاء إلى الاعتصام وهم برلمانيون يتمتعون بنفوذ يتجاوز نفوذ المواطنين العاديين؟ الإجابة على هذا التساؤل مرتبطة بفهم صلاحيات رئيس المجلس الذي ينتمي عادة لحزب الغالبية، ويناط برئيس المجلس مهمة تحديد موضوعات النقاش ومشاريع القوانين التي يمكن التصويت عليها من عدمه. ويتمتع رؤساء اللجان المختصة بصلاحيات مماثلة في لجانهم، الأمر الذي يعزز من هيمنة حزب الغالبية الذي ينتمي إليه رؤساء اللجان.

وبما أن الحزب الديمقراطي يشغل ممثلوه في الكونغرس مقاعد حزب الأقلية، فإن محاولاتهم طرح مشاريع قوانين تفرض قيوداً على اقتناء الأسلحة الفردية باءت بالفشل، كون نظام المجلس لا يعطيهم الحق في تحديد جدول الأعمال خارج رغبة الحزب المهيمن على المجلس.

في المقابل، اعتبر الجمهوريون التحرك الديمقراطي "حيلة دعائية"، رفض على إثرها رئيس المجلس بول ريان طرح أية مشاريع "تسلب حقاً دستورياً بتملك الأسلحة".

هذا الحق الدستوري الممنوح للمواطن الأميركي يعود إلى ما قبل 225 عاماً، عندما تم إقرار التعديلات العشرة الشهيرة في الدستور تحت مسمى "قائمة الحقوق والحريات". وينص التعديل الثاني في هذه الحقوق على أنه "لا يجوز المس بحق الناس في اقتناء أسلحة وحملها، نظراً لوجود مليشيا حسنة التنظيم أمر ضروري لأمن أية دولة حرة".

وأثناء تمتع القضاة المعينين من قبل رؤساء جمهوريين بالأغلبية في المحكمة العليا، انتصرت المحكمة مراراً لحق الشعب في امتلاك السلاح.

ومن مفارقات السجال المتعلق بمشكلة انتشار الأسلحة الفردية في الولايات المتحدة، أن التيار الليبرالي في الحزب الديمقراطي المعروف بدفاعه المستميت عن الحريات والحقوق الدستورية، يتبنى موقفاً مغايراً، عندما يتعلق الأمر بحرية الأفراد في اقتناء وحمل السلاح. أمّا التيار المحافظ الذي يقوده الحزب الجمهوري فإنه معروف بمواقفه المناوئة لكثير من الحقوق والحريات الفردية باستثناء حرية اقتناء وحمل السلاح.

لكن تزايد عمليات إطلاق النار في الأشهر الأخيرة جعل الديمقراطيين يعودون للمطالبة مجدداً بتشديد القيود القانونية على شراء وحمل الأسلحة الشخصية، بما يكفل حرمان المشتبه بهم وأصحاب السجلات الجنائية من القدرة على شراء الأسلحة المرخصة.

وكان مجلس الشيوخ قد رفض مطلع الأسبوع، مشروع قانون قدمه نواب ديمقراطيون يهدف إلى حظر بيع الأسلحة النارية إلى الأشخاص المدرجين في "قوائم المشتبه بعلاقتهم بالإرهاب". ويحتاج أي مشروع كهذا لإقراره إلى موافقة 60 عضوا كحد أدنى، لكن المؤيدون لتشديد شروط اقتناء الأسلحة الفردية لا يملكون حتى نصاب الخمسين في المئة، غير أن بعض الأعضاء يحاولون التوصل إلى حلول وسط تخوف من وصول الأسلحة النارية إلى أيدي الأشخاص المرجح أن يستخدموها سلبياً.

ويجادل معارضو التشدد بأن المشكلة ليست في السلاح بحد ذاته، بل تكمن المشكلة في "الإرهابي" الذي يضغط على الزناد.

من جهته، قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست، إنّ الديمقراطيين كغيرهم في سائر أنحاء البلاد يشعرون بالإحباط بسبب "إحجام الكونغرس الخاضع ليهمنة الجمهوريين على اتخاذ إجراءات حازمة لحماية الشعب الأميركي".

واللافت أن "الكونغرس" سبق وأصدر قانوناً في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون عام 1994 يقضي بحظر مؤقت للأسلحة النارية الآلية لمدة عشر سنوات، انتهت في عام 2004.

كما تم إدراج حوالي عشرين نوعاً من البنادق نصف الآلية والمسدسات في قائمة الحظر، غير أن المحكمة العليا أصدرت في عام 2008 قراراً تاريخياً أكدت فيه على الحق الدستوري للمواطن في اقتناء السلاح الشخصي.

وحاول أوباما في عام 2013 تصحيح سلبيات النص الدستوري، بتشريع قانوني ينظم بيع الأسلحة، ويضيف شروطاً صارمة على ذلك، لكنه فشل في اشتراط الحصول على السجل الجنائي لكل من يرغب في شراء قطعة سلاح عبر الإنترنت.

وبحسب تقديرات بعض الخبراء، فإنّ عدد قطع السلاح في الولايات المتحدة، يكاد يوازي عدد سكان البلاد، ويزيد قليلاً عن عدد السيارات.