حمد الصرّاف إلى "غولدن غلوب"

10 اغسطس 2020
الصورة

الملصق الدعائي لفيلم حمد الصراف على "نتفليكس"

إذا كان توفيق الحكيم يُعتبر رائدا للمسرح الذهني عربيا، وهو نوعٌ من المسرح يصعب تجسيده، فإن المخرج والسيناريست الكويتي الشاب، حمد الصرّاف، قد دشّن محاولة سينمائية متميزة، تعتمد على محاورات الذهن، من خلال فكرة تتمحور حول رجل يحاول السّيطرة على ذكرياتٍ لا تخصّه، قبل أن تُغيّر هذه الذكريات مجريات حياته وتستبدّ بتفكيره تماما؛ وذلك في فيلم سينمائي عنوانه "إن بارادوكس" (إنتاج 2019)، والذي دخل أخيرا دائرة اهتمام شبكة "نتفليكس"، أكبر وأشهر المنصّات الدولية لعرض الأفلام. وبذلك دقّ حمد الصرّاف أبواب العروض العالمية، ولفت الأنظار إلى منجزه السينمائي، ليس فقط من خلال عرض فيلمه في هذه المنصة الرائدة، إنما أيضا لأنه أول شريط كويتي يدخل قائمة "غولدن غلوب" للمنافسة في فئة الأفلام الأجنبية.
وكان الصرّاف قد قال إنه فكّر في فيلمه عشر سنوات، قبل أن يقدم على إنجازه، وإنه لم يكن ليتصور أن تنبثق في ذهنه أي فكرة تصلح للسينما حين مرّ، خلال زيارته جزيرة فيلكا (فيلجا) الكويتية، على بيوت مهجورة صيّرها الزمن أطلالا. تخيّل أنه عاش ذكرياتٍ بين تلك الخرائب، فتواردت الصور في خياله، وهو طفل يدأب على مزاولة ألعابه وشغبه الطفولي مع طفلة في ذلك المكان. وعلى الرغم من أنه لم تكن له من ذكريات هناك، بما أنه نشأ وترعرع في أميركا، فقد وضعته انطباعاته وتخيّلاته، وهو يعبر بمحاذاة تلك الأطلال، أمام خيارين: طرح الحادثة الغريبة كحالة عقلية نفسية عابرة لا يمكن تجسيدها، أو اتخاذها منطلقا لعمل إبداعي، فعمد إلى الخيار الثاني، ليكون ذلك الشعور بوابة ومنطلقا لإنجاز هذا الطبق السينمائي اللافت "إن بارادوكس". 
ويبشّر عرض الفيلم، وهو الطويل الأول للمخرج، في "نيتفليكس" وإدراجه في لائحة "غولدن غلوب"، كخطوتين أساسيتين لتسويق الأفلام الكويتية والخليجية دوليا، بمسيرة ناجحة للصرّاف في ميدان الفن السابع. ويشكل حافزا معنويا مهمّا له، لصقل موهبته وتطويرها، في أفق مواصلة المسار بأعمال متميزة وناجحة أخرى. ولم يأتِ اختيار "إن بارادوكس" للعرض على "نتفليكس" من فراغ، فقد حظي، قبل ذلك، بالإشادة والتنويه في عدة مهرجانات سينمائية، منها مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي. والفيلم من بطولة الممثل الكويتي فيصل العميري والممثلة السورية جفرا يونس، وشارك فيه ممثلون من الكويت وسورية وتونس، وأشادت مقالات نقدية باحترافية المخرج، وتمكّنه من أدوات اشتغاله، وضبطه أبجديات الإخراج السينمائي، فنيا وتقنيا.
والحقيقة أن حمد الصرّاف أبان عن إصرار على متابعة المشوار في هذا المجال الصّعب درجةً درجة، وبدون "انبهار"، أو اكتفاء بأول نجاح؛ الخطأ الذي يقع فيه معظم فنانينا وأدبائنا ورياضيينا العرب، الذين غالبا ما يقضي عليهم "الغرور" وتضخّم الذات بعد تحقيق أول نجاح. فإذا كان الشريط يُعرَض مصحوبا بترجمة إلى الإنجليزية، فإن مخرجه الشاب انكبّ، على الفور، في إعداد ترجمته إلى الفرنسية والإسبانية؛ ما يؤشّر إلى مثابرة الصرّاف على نقش اسمه بإصرار في ميدان مليء بالمنافسين، وبمغريات الانخداع بنجاحات البدايات، وهو بذلك جعل من نجاحه هذا منطلقا لنشر الفيلم في أكثر من لغة.
وكان الصرّاف قد شقّ أولى خطواته في ميدان الفن السابع بشريطه القصير "فيكتور" (إنتاج 2015)، وانخرط في دورات أكاديمية عديدة في لندن، لتطوير مهاراته وتقنياته السينمائية، وقد عُرف بميله إلى تقديم صنف سينمائي "ذهني" جديد في منطقة الخليج، وهو التوجّه الذي جسّده بوضوح شريطه الطويل الأول "إن بارادوكس". فبعد اقتناعه بالفكرة، واكتمال تصوّره الأولي عنها وكتابة السّيناريو، ذلل مختلف العراقيل والتحدّيات التي واجهته، بما فيها وضع موازنة للفيلم، وإيجاد مصادر التمويل، وحتى موقع مناسب للتصوير، بحيث يوحي بـ"اللازمان واللامكان"، لإيجاد عوالم مناسبة لبطل قصةٍ تخلّلها تجريدٌ لم تعتده عين المُشاهد العربي كثيرا. وبعد أن أنهى ذلك كله، كان لا بد من تفاصيل لم تكن مجرّد "تفاصيل" لإخراج هذا الشريط المتميز بجدّته وزاوية معالجته. ولن يتوّج ذلك بالنجاح من دون فنانين وقع عليهم اختيارهم ليشاركوه المغامرة. وبعد شهور من الاجتماعات المكثفة لتحديد الأسلوب والرؤية العامّين وأدق التفاصيل، من ألوان وأزياء وإضاءة، رأى "إن بارادوكس"، الخارج على المألوف، النور.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي