حماية السوريين وتحدّيات التيار الوطني

14 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
بات واضحاً خلال السنوات التسع الماضية أن معظم أوراق السيادة السورية سقطت من أيدي السوريين، فقرارات إطلاق المعارك العسكرية ومجرى هذه المعارك دوليان بامتياز. ولا تختلف المعارك الدبلوماسية والتفاوضية، بصيغتها الحالية، عن نظيرتها العسكرية، فمعظم الأدوات التفاوضية الحالية ليست بأيدي السوريين. بل حتى توظيف موارد الاستجابة الإنسانية هو محط تجاذب دولي، ويهمل، في أحيان كثيرة، الحاجات الفعلية للسوريين. بين هذا وذاك، تهمّشت إرادة السوريين في كيفية إيقاف الصراع الحالي، والتحوّل باتجاه الحل. ولكن: هل بقي في أيدي الوطنيين السوريين أي ورقة لتغيير المعادلة الحالية؟
هناك خلاف عميق بين السوريين بشأن كيفية تجميد الصراع، وخلاف أعمق حول نظرتهم المستقبلية لوطنهم. ويزداد الأمر تعقيداً لما يبدو أنها أجندات دولية، تسعى إلى إطالة الحرب وتعميق الانهيار، وتهجير الملايين من الشعب السوري. ولكن بعيداً عن الشعارات الرنّانة، يعتقد وطنيون سوريون كثيرون أن جذوة المواطنة ما زالت موجودة لدى معظم السوريين، وأن إيقادها (وتطويرها) هو المدخل لتمكين الأجندة الوطنية السورية وحماية السوريين وحقوقهم.
عملياً، تواجه الوطنيين السوريين ثلاثة تحديات رئيسية، للمحافظة على الجذوة الوطنية، وتدعيم المواقف المدنية الوطنية: تغليب مبادئ المواطنة على الأيديولوجيات، بناء الجسور بين السوريين، إيجاد مؤسسات مدنية وطنية تعزّز رغبة السوريين وتصورهم المستقبلي عن سورية.
يتفق معظم السوريين، سراً وعلانية، على وجوب عزل مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية في سورية. عبر سنين الحرب، كان المدنيون أول المستهدفين، فقد تنوّعت أساليب الانتهاكات المستخدمة ضدهم من الخطف والاعتقال إلى الاستهداف المسلح للمناطق الآهلة بالسكان، أدوات للضغط السياسي أو العسكري، وهو ما يتناقض تماماً مع مبدأ المواطنة، كما أنه مرفوض من أي وطني سوري، بغض النظر عن موقفه السياسي.
في سعيها إلى تغليب الأيديولوجيات والتخوين والتكفير والتهجير على مبدأ المواطنة، سعت 
أطراف عدة لتصوير هذه الانتهاكات أنها "ضرورة حتمية للمعركة المصيرية"، وأن هذه الضرورة يمكن أن تمتد لتشمل الآلاف من المدنيين "كضرر جانبي مقبول". وعليه، أول خطوة للحد مما يدبّر لمستقبل سورية والسوريين، سراً وعلانية، هو إيقاف بروباغندا التصعيد والإقصاء، ومجابهتها بمبدأ حماية المواطنين وحماية حقوقهم في مدنهم. قد يكون العمل على إيجاد ودعم صيغة حقيقية لوقف إطلاق النار، كما حدث في حرب لبنان أو حرب البوسنة، مثلاً، إحدى أدوات حماية المواطنين، بدلاً من اتفاقات خفض تصعيد أدّت جميعها إلى زيادة التصعيد والانتهاكات.
في ظل هذا الاستقطاب، تعمق اصطفاف السوريين، ما أضعف محاولات بناء جسور الحوار بين الأطراف المدنية، وصار هذا الحوار، على الرغم من صعوبته، موضع اتهام وتخوين متبادلاً، فقد برزت، على مدى السنوات الثماني الماضية، محاولات عدة لبناء ذلك الحوار على منصات الأمم المتحدة أو المنصات الموازية. ومعروف أن منصات المجتمع المدني، برعاية الأمم المتحدة، التي حاولت البحث في كيفية تحقيق الاستقرار، وإيجاد أرضية مشتركة للسوريين بعد الحرب، قد فشلت، لأسباب تتراوح بين الضغوط السياسية الخارجية ومحاولات تسييس المجتمع المدني وزجه في تناقضات الحرب. كذلك أثر التنافس الداخلي بين فرق الأمم المتحدة لإحداث اختراقات في الملف السوري على مصداقية هذه الفرق.
لم تكن المحاولات الجادة التي جرت خارج الأمم المتحدة أكثر نجاحاً، فقد اصطدمت المجموعات المدنية التي روّجت الحوار كجزء مهم من الحفاظ على الوحدة الوطنية السورية، اصطدمت هذه المجموعات بضعف قدرتها على التواصل مع السوريين داخل سورية وخارجها، وعدم قدرتها على صياغة مبادئ وطنية مشتركة يتبنّاها السوريون. تدرك هذه المنصات المدنية أنها غير قادرة على وقف العمليات العسكرية، وهي الأعلم أنها الأضعف على الحلبة السياسية، ما لم يتبنها السوريون أداة لإعادة بناء سورية.
لقد حاورت جميع الدول المؤثرة على الساحة السورية أطياف المجتمع المدني السوري، حتى لو 
كانت هذه على النقيض من مواقف هذه الدول، في محاولة لفهمها أو لاستمالتها، أو حتى لمساعدتها لوضع تصور للحلول الممكنة في سورية، حتى إن هيئات أممية ودولاً فاعلة عديدة، على اختلاف موقفها من القضية السورية، ما زالت تستنجد بهذه المنصّات، في محاولاتٍ لوضع تصوّر عما يمكن أن يعيد مجرى الحياة الطبيعية في سورية من إيقاف سيطرة تجارة الحرب على معيشة المواطن إلى تأهيل الكوادر التعليمية والجامعات.
يتوافق معظم الوطنيين على أن المنصّات المدنية الوطنية الممثلة للسوريين قد تكون الأداة الوحيدة المتبقية بأيدي السوريين في مواجهة الأطراف الدولية، وأن بناء هذه المؤسسات الوطنية إحدى الحاجات المهمة الآن لإعادة بناء الوطن والمواطن. ومن المفارقة أن هذا الوضع لا يختلف أبداً عن وضع الدولة السورية قبل مائة عام تماماً، فالتحديات الدستورية المرتبطة بدستور 1920 تشابه، إلى حد كبير، التحديات الدستورية الحالية. والمفاوضات التي بذلها حينها الوطنيون السوريون لتوحيد الصفوف للتعامل مع إنذار الجنرال الفرنسي غورو، وتغليب الجذوة الوطنية على الواقعية السياسية هي تماماً ما تحتاج إليه سورية وأهلها الآن. بل حتى إن الجهود التي بُذلت لاحقاً للتغلب على الفوارق السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية لدول الاتحاد الفيدرالي السوري، وتحويله إلى نواة دولة سورية متماسكة، تمكّنت بعدها بأكثر من عقدين من الحصول على استقلالها، مشابهة إلى حد كبير للجهود التي يحتاج إليها السوريون اليوم.
تقف سورية والسوريون اليوم على مفترق طرق، وأمام خيارات أحلاها مرّ، إلا أن المواطنين ما زالوا يملكون القدرة على فهم واقعهم، والتعامل معه أفضل من أي طرف آخر. على الرغم من الألم، إلا أن مجرى التاريخ في صالحنا، فنحن أصحاب الأرض، ونحن أصحاب التاريخ، ولكن يجب أن نعمل بإخلاص، لنكون أيضاً أصحاب المستقبل.
avata
أحمد طرقجي