حماس وخطى فتح

07 مايو 2017
الصورة

قيادة حماس تعلن الوثيقة الجديدة في الدوحة (معتصم الناصر)

واجهت وثيقة حماس السياسية، قبل أيام، حفلة شعواء من حركة فتح والمناصرين لها، ومن النظام الرسمي العربي، وخصوم الحركة الإعلاميين. أما زمامير تلك الحفلة ومواويلها فتردّد على مسامع الحركة قصائد الحكمة السياسية الفتحاوية، عندما قرّرت فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية إعادة صوغ الميثاق الوطني، والقبول بالشرعية الدولية، منذ أربعة عقود تقريباً.
اختزلت ردود الفعل هذه أولاً الوثيقة بالقبول بإقامة دولة على حدود 1967، وهي مسألة مهمة، لكنها ليست موضوع المقال حالياً، فيما تجاهلت تلك الردود أموراً رئيسةً، في مقدمتها إعادة تعريف الحركة نفسها بوصفها حركة وطنية فلسطينية ديمقراطية، بمرجعية إسلامية، بينما الميثاق الأساس كان أقرب إلى اللغة الأيديولوجية الدينية، بمعنى أنّ هنالك تسييساً عميقاً حدث في البنية الأيديولوجية والنظرية للحركة، على الرغم من أنه ليس جديداً، من ناحية عملية، فسلوك الحركة متسقٌ، منذ مدة طويلة، مع الرؤية الجديدة، فكانت الوثيقة الحالية بمثابة تجديد وإعادة صياغة للميثاق الأساسي، بما ينسجم مع المسار الواقعي للحركة، وردم الفجوة بينهما.
لكن، لو تجاوزنا ذلك كلّه، ومعه حذف ارتباط الحركة بجماعة الإخوان المسلمين، أي التأكيد بصورة قطعية على الجانب الوطني في خطاب الحركة، فإنّ المغالطة التي يقع فيها السياسيون والباحثون في ردود الفعل الاختزالية التي تقرن الوثيقة الحالية بالسير على خطى حركة فتح، وكأننا أمام استنساخ كامل للتجربة، وهذا غير دقيق، فهنالك ديناميكياتٌ أخرى عديدة، لعبت دوراً كبيراً في وصول "فتح" إلى ما وصلت إليه، قد لا تكون مرتبطةً بصورة رئيسة بقرار الحركة القبول بقرارات الشرعية الدولية، وبإقامة دولة فلسطينية على حدود الـ67.
مثل تلك الحفلة الإعلامية التي تتغنى بحكمة "فتح" الخالدة تسطّح كثيراً المتغيرات والعوامل المختلفة والمتنوعة التي أوصلت حركة فتح اليوم إلى ما وصلت إليه، وهي حالياً في مرحلة جمود كبيرة، وانقسام داخلي، وفي حالة ازدواجيةٍ واضحة بين السلطة والتنظيم، لكن الأهم من هذا وذاك – في نظري- هو مرض الفساد الذي ضرب الحركة في الصميم، فأصبح التنافس فيها شخصياً وعلى مكاسب ذاتية، ففقدت الحركة روحيتها وزخمها، ولم تعد تمتلك الرؤية والقيادة الحقيقية، على الأقل ضمن الطبقة العليا الحالية.
إذاً، خطى "فتح" متعدّدة ومختلفة، وليست خطوة واحدة فقط، وعلى "حماس" أن تحذر بصورة أكثر جدية وحرصاً على أن تسير على خطوات "فتح" نفسها في الفساد الشخصي والمالي والانقسامات الداخلية.
ربما يقودنا ذلك إلى التحدّي الحقيقي للحركة في المرحلة المقبلة، ويتمثل في تماسكها الداخلي وصلابتها التنظيمية، خصوصاً أن خالد مشعل على وشك إنهاء قيادته الحركة التي استمرت طويلاً، فكيف ستتصرّف القيادة الجديدة لبناء رؤية سياسية جديدة واقعية لإدارة المرحلة المقبلة، منبثقةً من الوثيقة الجديدة التي أعطت الحركة مساحة جيدة من المرونة السياسية والأيديولوجية؟
والسؤال عن مدى قدرة الحركة على إقناع أبنائها وأنصارها، خصوصاً كتائب عز الدين القسام، بالتعديلات الأيديولوجية النظرية الجديدة، وتقديم أفق مقنع للمرحلة المقبلة؟ وفيما إذا كانت هذه التعديلات ستعني أن الحركة ستترك "مربعات اليمين" لقوى أخرى تملأه، مثل التيارات السلفية "الجهادية" في غزة وفي الخارج، المخيمات الفلسطينية وأوساط اللاجئين؟
لا مكان للأوهام، هنا، فالتغييرات الجديدة لدى "حماس" لن يكون مرحباً بها من إسرائيل واليمين الأميركي، والنظام الرسمي العربي، لكن الحركة، في المقابل، تفرض بذلك منظوراً جديداً لها، وتفتح زوايا متعدّدة كانت مغلقةً، بعدما وقعت تحت الحصار الصارم، منذ أحداث الثورة السورية التي جعلتها تخسر تحالفاتها مع حلف الممانعة، ثم الانقلاب العسكري في مصر، فتسميتها بوصفها حركة إرهابية من عدة دول عربية.
تحمل الوثيقة والتعديلات بيدها مفتاحاً لمرحلة جديدة في خيارات الحركة ورهاناتها وقدرتها على إيجاد مخارج من الوضع الحالي. لكن، من المهم ألا تخسر الموجود، وهي تبحث عن المفقود.
تعليق: