حمار بني عمّار

19 اغسطس 2019
الصورة
كيف يمكنك أن تكتب عن الحمير من دون أن تُرمى بالسخرية منها؟ فطالما أُلصق هذا النعت بأي حديثٍ عن الحمير. ولكنها مخلوقاتٌ يمكنها التعبير عن نفسها لو تُركت لتستريح قليلاً، بعد عصورٍ من العمل والكد. أليست أمماً أمثالنا وفقا للآية القرآنية "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم".. أممٌ من حقها أن تُمثل، ولو في مهرجان سنوي رمزي، يتم فيه الحديث عنها والفرح والاحتفال بها.
أسدل الستار، أخيرا، عن الدورة الثانية عشرة لأطرف مهرجان في العالم، وهو مهرجان الحمير في قرية بني عمّار، ضواحي مكناس، وسط المغرب. وقد حقّق الحمار في دورة المهرجان هذه إنجازين مهمين: أولهما أنه للمرة الأولى تفوز أتان في مسابقة اختيار ملكة جمال الحمير، بعدما كان هذا مقتصرا على الحمير، لأن المزارعين ظلوا يأنفون من إحضار أتنهم إلى المسابقة حياءً. ولكنْ في هذه الدورة، وفي ما يشبه المساواة في الحقوق بين ذكور الحمير وإناثها، شاركت بعض الأتان، وفازت الأتان "كليوباترا" بالمركز الأول، وسمّاها مالكها بهذا الاسم تيمنا بأسطورة الجمال الفرعونية كليوباترا.
وكان من شروط الفوز، ليس الشكل فقط، مع أهميته في المسابقة، إذ جُهّزت كليوباترا كما تُجهَّز العروس ليلة عرسها، بل يؤخذ بالاعتبار كذلك هدوء الدابّة ومدى انسجامها مع صاحبها، وفهمها له، والتعبير عن حركاتها، لتكون كما يقول المتنبي في بيتين بليغين:
تنشد أثوابنا مدائحه/ بألسن ما لهن أفواه..
إذا مررنا على الأصم/ أغنته عن مسمعيه عيناه
الإنجاز الثاني هو الحضور الرسمي في المهرجان، فقد دشنه وزير الثقافة المغربي الذي ألقى كلمة في المناسبة، ومما قاله: "إن احتفاء المهرجان بحيوان نبيل رافق الإنسان في مسيرته الوجودية بكثيرٍ من نكران الذات الذي يقابله الجحود والتحقير في التمثل والمعاملة، يجعلنا في مواجهة سؤالٍ أخلاقي، يدعونا إلى إعادة تشكيل الذات وتصحيح المفاهيم... إن العالم القروي يشكل امتدادا جغرافياً وديمغرافياً شاسعاً، وبالتالي يجب أن يُحاط بعناية فائقة في الحسابات التنموية".
كما شهد المهرجان مجموعة من الأنشطة، السينمائية والفنية، وتوقيع كتب متعلقة بالحمير، مثل رواية "سيرة حمار" للروائي حسن أوريد، وفعاليات صحية وتوعوية وأمسيات أدبية وفكرية وفقرات فلكلورية وموسيقية متعدّدة، شكّلت فرصة لعرض الثقافة اللامادية، وتشجيع الفرق الموسيقية المحلية في المهرجان، ذي الأبعاد الثقافية العميقة والهادفة.
ويتضمن كرنفال الحمير، بالإضافة إلى مسابقة أجمل حمار وحمارة، سباق السرعة، والذي يَمنع فيه المنظمون استعمال أي نوع من العنف مع الحمير التي تلعب دوراً أساسياً في المنطقة الجبلية وعرة المسالك. وينال الفائزون مبالغ وأكياساً من الشعير للحمير الفائزة، مع كشوف ومعالجات بيطرية تتكفل بها جمعية الرفق بالحيوان. وقد أسست هذا المهرجانَ، في العام 2001، جمعية قدماء تلاميذ بني عمّار زرهون.
تنبّأ ميشيل فوكو بموت الإنسان، الذي، بشكل من الأشكال، سيُفني بعضُه بعضا، وربما احتلت الحمير مكانه. وفي الحقيقة، لم يعد الإنسان قمةَ التطور في الخلق، كما قال سلامة موسى، قياسا بما نراه من حروبٍ مجانيةٍ مرعبةٍ، تكون ضحاياها عادة الشعوب المقهورة، أو المغلوبة على أمرها، أو "التابعة" حسب المفكرة البنغالية جياتري سبيفاك. بل إن الإنسان، وفقا لمعطيات ومآلات عديدة راهنة، خصوصا بعدما تولى دفةَ حكم العالم بعض المجانين الذين سيودون بأرضه إلى الدمار، وبحياته إلى دوام القلق والرعب. لم يعد هو العاقل، إلا لأنه يمتلك حق الكلام والفعل، وهو بذلك يحتكر الخطاب لنفسه، أو كما قال الشاعر الإنكليزي وليم بالاك "كان على آخرين أن يتصفوا بالجنون لكي نكون نحن غير مجانين"، ما جعل الحمار صابرا، وأمثاله مهمشين طوال التاريخ، على الرغم من أنها كانت مصاحبة للإنسان في طريق تطوره الطويل، وعونا له في اجتياز طرقه الوعرة عبر التاريخ. ثم ما إن اكتشف العقل البشري وسائل أخرى للحمل والتنقل حتى "ركل" الحمير.. فقط القرويون الأوفياء، أمثال قرويي بني عمار البسطاء، من بقوا مخلصين لهذه الدابّة النبيلة، ليعلّمونا درسا عظيما في الوفاء، بالرفق بالحمير الرائعة، والعناية بها، بل والفرح والاحتفاء إلى جانبها.

دلالات

تعليق:
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي