حكومة كندا.. أحلام المهاجرين ورواد الفضاء والمحجّبات

حكومة كندا.. أحلام المهاجرين ورواد الفضاء والمحجّبات

10 نوفمبر 2015
الصورة
علينا أن ننتخب من يحمينا، أليس كذلك؟ (Getty)
+ الخط -
القصص، التي تُخبرها توليفة الحكومة الكندية الجديدة، تعكس مجتمعاً غنياً ومتنوعاً وطموحاً. الفريق الذي شكّله الزعيم الشاب، جاستين ترودو، يعد خطوة تقدّمية، تماماً كتطلعات أبناء البلاد.

ليس عادياً أن تمر على حكومة بلد ما وتكتشف رائد فضاء في وزارة النقل أو في أي وزارة أخرى، وتكون زميلته المسؤولة عن الرياضة هي بدورها رياضية أولمبية نافست عالمياً في مجال الألعاب الموازية، وتُعدّ مناصرة شرسة لحقوق المعوقين، ويكون زميلهما في وزارة الدفاع مقاتلاً شرساً انتقل من شوارع فانكوفر إلى أفغانستان، وصمّم قناعاً خاصاً به لحمايته من قنابل الغاز، والحفاظ على لحيته التي يحتّم عليه إطلاقها معتنقه الديني الشرقي.

لكن هذا تحديداً ما ستجده في الحكومة الكندية. هذا الفريق الغني إثنياً وثقافياً وتقنياً شكّله رئيس الوزراء المنتخب جاستين ترودو أخيراً، ليدير شؤون بلاد تتمتع بالغنى نفسه، وقد أرهقتها سياسات التغريب العنصري والتهميش والإساءة للأقليات طوال عقد كامل من حكم المحافظين.

"لأننا في عام 2015"، أجاب الزعيم الليبرالي الشاب على تساؤلات الصحافيين حول المغزى من الخيارات التقدمية، التي اعتمدها لصوغ تشكيلته: حكومة ثلاثينية مشكّلة مناصفة بين الرجال والنساء، فيها وزراء من أصل هندي - سيخ يعادل ضعف ما في الحكومة الهندية نفسها، وفيها أيضاً وزيرة شابة أضحت أخيراً أول أفغانية - كندية تُنتخب إلى مجلس العموم الفدرالي، وسرعان ما اختيرت لإدارة شؤون المؤسسات الديموقراطية.

هذه الشابة هي مريم منصف، التي أنقذها القدر من ظلم حركة "طالبان" ونقلها إلى هدوء ولاية أونتاريو، عندما كانت في الـ 11 من عمرها، وقد انخرطت باكراً في الشأن العام. لكلّ عنصر من فريق ترودو قصّته مع الهجرة والاستقرار أو المعاناة الاجتماعية أو المثابرة الأكاديمية والتقنية.

وزير شؤون قدامى المحاربين (مساعد وزير الدفاع الوطني) كينت هيهر مثلاً، شاب كانت له مسيرة واعدة في لعبة الهوكي، غير أنه أصيب بطلق ناري في رقبته أدى إلى شلله حين كان في الـ 19 من عمره. وقد شكّلت حالته حافزاً بالنسبة إليه ليدرس الحقوق ويصبح ناشطاً في الشأن العام ومناصراً لحقوق الفقراء.

من السهل الانبهار بخيارات ترودو، ومن السهل أيضاً تقويم أبناء مونتريال، من الأقليات والمهاجرين، لتلك الخيارات. هم مشهورون بصراحتهم ولا تعميهم عبارات مثل "الذكاء العاطفي الذي يتمتع به ترودو".

خلال مراحل التحضير للانتخابات الفدرالية الأخيرة، زار ترودو الأحياء التي تقطنها هذه الأقليات. في مطعم "ملهي" الشهير، تجد صورة للزعيم الشاب مع صاحب المطعم. "لقد كان ودوداً جداً خلال زيارته لنا عشية الانتخابات"، يقول مدير المطعم أغامجيت. "تحدّثنا عن أحوال العمل وكيفية تطوير العلاقة مع المجتمعات المحلية. صراحة، فوجئنا بالخيار الذي اعتمده لتشكيل الحكومة". المفاجأة سارة طبعاً، بدليل الإطار المميز الذي يضم صورته ويغطي على صورة زيارة الممثلة الفرنسية كاثرين دونوف.

غير أن البهارات الهندية التي أكثر منها ترودو لطبخ حكومته لم تُعجب الكثيرين. "من الغريب أن تجد ذلك ولا تجد وزيراً لبنانياً مثلاً"، تُعلّق يارا (21 عاماً)، طالبة العلوم السياسية بانفعال. تضيف: "صحيح أن السيخ يمثلون 2 في المائة فقط من المجتمع الكندي، إلا أن تأثيرهم كبير في الحزب الليبرالي".

هذا لا يعني أن الفتاة اللبنانية التي هاجرت وعائلتها إلى كندا عام 2008، تعارض خط ترودو السياسي. "لقد انتخبت الخيار الليبرالي طبعاً لأنني أؤمن بتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية، علماً بأن خيار عائلتي كان مختلفاً. هكذا هو التنوّع بصورته الكاملة في المجتمع الكندي. العملية الديموقراطية تبدأ من المنزل وتتحول إلى ورقة اقتراع، وربما إلى مسيرة في الشأن العام. لكن ما ميّز الانتخابات الأخيرة والحكومة التي انبثقت عنها هو بعض القضايا التي جمعت الأقليات وتحديداً المسلمين، بغض النظر عن المصالح الأولية.

"كلّ ما همّني في تلك الانتخابات هو أن الخيار الذي يناصر حرية التعبير ويحمي المحجّبات فاز في النهاية"، يُعلّق بلال (30 عاماً) من وراء مكتبه المجهّز حديثاً في إحدى الوكالات العقارية المرموقة. "أخواتي الثلاث يرتدين الحجاب، وأنا مرتاح لأنّ الغليان الإثني والعنصري (الذي أثارته الحكومات المحافظة) هو إلى نهاية. ماذا يعني أن يكون الاقتصاد بخير فيما أضواء العنصرية مسلّطة عليك؟".

من جهتها، تقول ميريام (21 عاماً): "صراحة، لا تهمّني السياسة كثيراً، غير أن أخي أوضح لي أن هذا الخيار (الليبرالي) ليس ضدّ الحجاب"، تقول بلغة عربية مكسّرة. "جميع عائلتي انتخبت الحزب الليبرالي. علينا أن ننتخب من يحمينا، أليس كذلك؟".

فعلياً، شكّلت خيارات المصالحة الاجتماعية التي بشّر بها ترودو، بالإضافة إلى وعوده البيئية، الطاقة المستدامة والاستثمارات في البنى التحتية، عاملاً مهماً في دفع ماكينته الانتخابية وتكريسه زعيماً شاباً وسيماً، تهوى الفتيات المحجبات وغيرهن التقاط الصور له ومعه.

والبلاد في أمسّ الحاجة إلى تلك المصالحة في ظلّ قانون مثير للجدل حول حق النساء بقسم يمين الجنسية وهنّ منقّبات، مع سريان قانون مكافحة الإرهاب (القانون C-51) الذي يفتح نوافذ كثيرة لمصادرة الحريات والتعدي على العملية الديموقراطية. والمصالحة المطلوبة ليست فقط بين أوتاوا والأقليات الإثنية، بل حتّى مع الأمم التي استقرت في هذه الأراضي قبل وصول البعثات الأوروبية الأولى. من هنا ينبثق الدور المهمّ للحكومة مجتمعة بكل غناها الإثني والثقافي. وهنا أيضاً تبرز أدوار حساسة لبعض الوزراء، مثل وزيرة العدل جودي ويلسون - رايبولد (وهي من السكان الأصليين)، التي سيكون برنامجها حافلاً لناحية صوغ النصوص القانونية لتشريع الماريغوانا وغيرها.

يحتفي المجتمع المونتريالي بالخيارات التي اعتُمدت لتشكيل الحكومة الجديدة. بحسب الصحافي والكاتب المخضرم، ووزير الإعلام السابق جيلبير لافوا، فإن الحكومة الجديدة بكلّ تنوعّها "تحمل انتعاشاً لجميع الكنديين التواقين إلى التغيير بعد مرحلة من السواد الكبير". غير أن النقد اللاذع يبقى موجوداً. أضاف أن "التحديات الماثلة أمام (اللاعبين الجدد) هو عدم جلب العار، وعدم إحراج حكومتهم كما فعل كثيرون في السابق"، في إشارة إلى حقبة مشاركته في الحكومة بداية التسعينيات.

وقد يكون التنوع الثقافي عاملاً مهماً في معالجة القضايا الحساسة، التي تبرز إلى الواجهة في البلاد، والجميع يأمل ذلك. لكن في الوقت نفسه، قد تغرق الحكومة في لطفها الزائد وتكون إنتاجيتها متواضعة تحديداً على صعيد إيجاد المنصات اللازمة والحوارات الخلاقة لإطلاق المشاريع الكبيرة. وفعلياً، لا يتمتع الحزب الليبرالي بتاريخ مشرّف على هذه الصعيد، فآثار الفساد التي خلفتها حكومة جان كريتيان في التسعينيات تبقى واضحة في ذاكرة الكثيرين.

مثلاً، على صعيد الرعاية الصحية، هناك كارثة حقيقة تتمثل في نقص الفاعلية والكوادر نتيجة سوء التقدير وضعف الدراسات التي أجريت في مطلع الألفية. "عليهم إصلاح النظام الصحي. في إحدى المرات، انتظرت 16 ساعة في غرفة الطوارئ كي يعاينني الطبيب. منذ تلك اللحظة، قررت عدم الذهاب إلى المستشفى". يُعلّق بلال وهو يختار أي نكهة من قهوة "نيسبريسو" لتجهيزها في الماكينة.

كذلك الأمر في مجال الموارد الأولية. فالبلاد التي تعتمد بهامش كبير على خيرات الطبيعة تطمح إلى تنويع مصادرها، وستكون التحديات كبيرة أمام الوزير المختص جيم كار، ووزير المال بيل مورنو. صحيح أن الثاني رجل أعمال ثري، إلا أن المرء قد يطمئن قليلاً كون الأوّل موسيقياً يلعب الأوبوا، وهو صحافي وعضو شرف في الأوركسترا السيمفونية لمدينة وينيبيغ.

وتماماً كما في مجال الإدارة، هناك ضغط هائل من المجتمع المدني لتحقيق نقلة نوعية مع هذه الحكومة الجديدة. أخيراً، وُلدت منظمة "مانيسفتو لإحداث نقلة" بدعم من فنانين ومشاهير وناشطين، وتنادي "بالعمل لأجل كندا تقوم على العناية بالطبيعة والاهتمام بالآخر".

تشكيلة الحكومة الجديدة هي بحد ذاتها نقلة نوعية يصعب مجاراتها على مستوى العالم. لكن السير بعد الخطوة الأولى هو التحدي الأكبر.

إقرأ أيضاً: كندا تسابق الزمن لمنع التحاق شبابها بـ"داعش"

دلالات