حكومة الفخفاخ تجتاز مأزق التأليف: تحديات داخلية وخارجية

حكومة الفخفاخ تجتاز معركة التأليف: تحديات داخلية وخارجية

21 فبراير 2020
الصورة
يعيب منتقدو الفخفاخ عليه استئثاره ببعض الحقائب(فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
يعرض رئيس الوزراء المكلف في تونس، إلياس الفخفاخ، تشكيلة حكومته الجديدة على البرلمان يوم الأربعاء المقبل لنيل الثقة، والانطلاق نحو مرحلة العمل. وعلى الرغم من أنّ ضمان نيلها الثقة بات شبه محسوم، فإنّ تحديات داخلية وخارجية تنتظر هذه الحكومة، التي أبصرت النور في ظلّ مناخ من عدم الثقة، وتحت ضغط الخوف من الذهاب إلى انتخابات جديدة وحلّ البرلمان.

وتتشكل الحكومة الجديدة من حركة "النهضة" (54 مقعداً برلمانياً) و"حركة الشعب" (16 مقعداً)، و"التيار الديمقراطي" (22 مقعداً)، وحزب "تحيا تونس" (14 مقعداً)، و"نداء تونس" (3 مقاعد)، وحزب "البديل التونسي" (3 مقاعد) ومستقلين، وهو ما يعني آلياً حصولها على الأصوات الضرورية (109 أصوات) لنيل الثقة.

في المقابل، أكد ائتلاف "الكرامة" والحزب "الدستوري الحر"، عدم منحهما الثقة لحكومة الفخفاخ، وسط انتظار موقف حزب "قلب تونس" الذي لم يعلنه إلى الآن، ولكنه بكلّ الحالات سيفكّر في موقعه لناحية قيادة المعارضة في البرلمان، والحصول على رئاسة اللجان المهمة، كما ينصّ عليه القانون.

وتفادى التونسيون كابوس حلّ البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية، وبقية الفرضيات الدستورية التي كانت ستقود البلاد إلى المجهول، في ظلّ غياب محكمة دستورية تتحمل مسؤولية تأويل الدستور، ولا سيما بعد ما ظهر من خلافات كبيرة بين الرئاسة والبرلمان، وحتى بين خبراء القانون الدستوري، الذين ذهب كل منهم في اتجاه وتأويل في هذا الشأن.

ويبدو أنّ هذا الاختلاف بالذات هو الذي دفع حركة "النهضة" إلى دخول الحكومة، بعدما أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد، صراحةً أنه الوحيد المكلَّف قراءة الدستور، وأنه سيذهب مباشرة إلى حلّ البرلمان إذا سقطت حكومة الفخفاخ. ولكن ذلك سيحدث في فترة زمنية مفتوحة قد تطول لأشهر، ما يعني بقاء حكومة الشاهد المؤقتة والمصغرة لفترة غير واضحة، وتعطّل مصالح البلاد أمام استحقاقات لا تنتظر، ما يعني كلفة سياسية باهظة، لعلها أكبر من الحرص على تشريك "قلب تونس" الذي وضعته "النهضة" شرطاً لمشاركتها في حكومة الفخفاخ.

ويتبين هذا الموقف النهضوي بوضوح في بيان الحركة ليلة إعلان الحكومة مساء أول من أمس الأربعاء، إذ بدأته بتسجيل "أسفها" لما اعتبرته "عدم توصل المشاورات لتكوين حكومة الوحدة الوطنية الواسعة لإنجاح الإصلاحات الكبرى، والتنمية العادلة، واستكمال بناء المؤسسات وتأهيل البلاد لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة الخطورة، مما يفرض على جميع القوى استمرار الجهود لتوسيع قاعدة الحكومة سياسياً وبرلمانياً واجتماعياً". ولكنها في المقابل أشارت إلى "بعض التطوّر الإيجابي الحاصل في مسار المفاوضات"، وأبدت تقديرها "لما عبّر عنه رئيس الحكومة المكلف من استعداد للانفتاح على قوى سياسية أخرى، لتوسيع الالتفاف السياسي حول هذه الحكومة".

ويؤكد ذلك ما قالته مصادر حزبية لـ"العربي الجديد"، في وقت سابق، من أنه جرى التفاوض على انضمام "قلب تونس" للحكومة لاحقاً بعد نيلها الثقة. ويبدو أنّ المنظمات الوطنية التي دخلت بقوة على الخط، أقنعت "النهضة" بضرورة تغيير موقفها، وربما كانت الحركة قد ضمنت بعض بنود الاتفاقات غير المعلنة.

ولذلك، ثمّن بيان "النهضة" جهود المنظمات، وخصوصاً "الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والشخصيات الوطنية في تقريب وجهات النظر وتذليل الصعوبات أمام تشكيل الحكومة"، على الرغم من "التحفظات بشأن طبيعتها وتركيبتها".

وأوضحت "النهضة" أنّ موقفها من المشاركة جاء "تقديراً للظروف الإقليمية المعقّدة والخطيرة، ولا سيما لجهة مخاطر الحرب في الشقيقة ليبيا، والأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، التي تستوجب تعجيلاً بتسليم إدارة البلاد لحكومة جديدة قادرة على إنفاذ الإصلاحات، وتحسين عيش المواطنين والاستجابة لتطلعاتهم ومطالبهم التي لم تعد تحتمل التأجيل، وحتى نجنّب بلادنا متاهة الجدل القانوني والتجاذبات المضرة بالوحدة الوطنية".

وعكست المواقف الصادرة عن مختلف الأحزاب مناخاً من عدم الثقة، رافق تشكيل الحكومة، ما يدفع إلى التساؤل عن مستقبلها وقدرتها على العمل في جو من التكامل والتضامن الحكومي. وفي السياق، قالت مصادر مطلعة على سير مفاوضات ليلة الأربعاء، قبل الإعلان الرسمي عن الحكومة، لـ"العربي الجديد"، إنّ ما حصل "لا ينبئ بأنّ هذه الحكومة بُنيت على منطق سليم في توزيع المسؤوليات والحقائب. فقد تنقلت بعض الأسماء في ظرف ساعات بين ثلاث وزارات، ما يؤكّد مناخ انعدام الثقة، ومنطق المحاصصة الحزبية، وهو ما سيلقي بظلاله على العمل الحكومي، وقد تتفجّر الخلافات داخل مجلس الوزراء، مما يعوق إمكانية الحكومة تحقيق تقدم سريع في الملفات الهامة والمستعجلة كما ينتظر التونسيون".

وفي الإطار نفسه، اعتبر الخبير الاقتصادي ووزير التجارة السابق، محسن حسن، أنّ حكومة إلياس الفخفاخ "ستكون في مواجهة تحديات عاجلة"، مؤكداً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "تحقيق الإصلاحات الضرورية يتوقف على قدرة الفخفاخ على إرساء مناخ ثقة داخل حكومته وبين الحكومة والبرلمان، وأيضاً بين الحكومة والمنظمات الوطنية". وشدد على "دور عامل الثقة في إنجاح الحكومة من عدمه، نظراً لأجواء الاحتقان السياسي".

وأوضح حسن أنّ أهم الإجراءات التي يجب اتخاذها في شأن الإصلاحات، هي "إعداد قانون مالية تكميلي، يتم إكساؤه بالطابع السياسي للحكومة الجديدة، بعد أن صدّق البرلمان في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على قانون مالية لا يحمل أي برنامج أو رؤية سياسية". وأضاف أنّ رئيس الحكومة مدعو أيضاً إلى "الدخول بسرعة في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، من أجل استكمال المراجعة السادسة وضمان صرف ما تبقى من قرض الصندوق بقيمة 1,2 مليار دولار".

وأشار حسن إلى أنّ "المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تعدّ أمراً مستعجلاً، وذلك من أجل الحصول على ضمانة مؤسسة القروض الدولية، للخروج على السوق الدولية وتعبئة الموارد التي تحتاجها الموازنة، في إطار خطة الاقتراض التي يضمنها قانون الموازنة". ورأى الخبير الاقتصادي نفسه، أنّ الحكومة مطالبة كذلك "بتوجيه عاجل للبرلمان للنظر في مشاريع القوانين المتعلقة بجرائم الصرف (جرائم اقتصادية) وقانون الطوارئ الاقتصادية، لخلق متنفس قانوني يسمح بزيادة نسب النمو وتحريك الاقتصاد المنكمش".

ولفت حسن إلى أنّ حكومة الفخفاخ "مدعوة لاحتواء الاحتقان الاجتماعي، عبر دعم الاستثمار العمومي الموجه لقطاعات أساسية، ولا سيما التعليم والصحة عبر تطوير الشراكة مع القطاع الخاص".

أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة مع المتعاملين الاقتصاديين، فرأى حسن أنّ "مناخ الأعمال يحتاج إلى حوافز لدفع رجال الأعمال للاستثمار عبر تخفيف الضغط الجبائي الذي بلغ مستويات مرتفعة تناهز الـ35 في المائة". وأضاف أنّ حكومة الفخفاخ مطالبة كذلك "بإعادة ترميم المنظومات الفلاحية التي طاولها الاهتراء في السنوات الماضية، واستعادة الدور الاجتماعي للدولة".

ويعيب منتقدو الفخفاخ عليه استئثاره بعدد من الحقائب، ومنحها لمقربين منه ومن حزبه، "التكتل الديمقراطي"، ويصفون ذلك بالتسلل إلى المشهد الجديد، على الرغم من إقصاء "التكتل" في الانتخابات التشريعية الأخيرة. كما يُتهم الفخفاخ بمحاولة تركيب مشهد جديد من خلال فاعلين جدد. وهو ما لمّحت إليه حركة "النهضة"، من خلال تصريحات بعض قيادييها، فيما التزمت حركة "الشعب" وحزب "التيار الديمقراطي" الصمت تجاه هذا الأمر حالياً، ولكن قد تظهر الانتقادات لاحقاً.

من جهته، قال الأمين العام لحركة "الشعب"، زهير المغزاوي، في تصريحات له أخيراً، إنّ لديهم تحفظات عديدة على الحكومة، واصفاً إياها بـ"حكومة الممكن"، وهو موقف "التيار الديمقراطي" نفسه، الذي يقول إنه "ليس راضياً بالكامل عن الحكومة". أما القيادي في حزب "تحيا تونس"، مصطفى بن أحمد، فقد اعتبر أنّ "المهم عبور منطقة الزوابع"، وأنّ "تشكيل الحكومة أفضل من الفراغ".

وفي المحصلة، فإنّ هذه الحكومة تأسست تحت مناخ الإكراهات، وولدت من رحم تناقضات كبيرة بين مكوناتها، ولكنها تشكلت بسبب تراكم أخطاء ارتكبتها كل هذه الأحزاب منذ الانتخابات الأخيرة. وقبل يوم من جلسة منح الثقة للحكومة، الأربعاء المقبل، سيشهد البرلمان جلسة أخرى تنظر في تغيير النظام الانتخابي عبر رفع العتبة (الحد الأدنى للحصول على مقعد بالبرلمان) إلى حدود خمسة في المائة، كما اقترحت حركة "النهضة"، ليكون ذلك بمثابة بروفة لما سيكون عليه الوضع السياسي في الأشهر المقبلة.

المساهمون