حكومة السيسي تعترف: ملايين المصريين مهددون بالتهجير لشُح المياه

22 يونيو 2018
الصورة
مخاطر عديدة تحيط بالزراعة المصرية (دياجوستيني/Getty)
+ الخط -

قبل أيام وقف رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، إلى جوار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مؤتمر صحافي عُقد بالقاهرة، طلب خلاله الأخير من الأول أن يقسم بالله أمام المصريين ألا يضر بحصة مصر من مياه النيل، وهو ما استجاب له أحمد الذي قال مرددًا خلف السيسي "والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر"، كما تعهد الزعيمان بتسوية خلافاتهما بشأن سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا على نهر النيل، والذي من شأنه أن يؤثر بشدة على حصة مصر من مياه النهر. 

ورغم تأكيدات السيسي خلال المؤتمر الذي عُقد في 10 يونيو/ حزيران الجاري، أن البلدين "قطعا شوطًا مهمًا على صعيد بناء الثقة وتعزيز التعاون الثنائي، وتعهّد أبي أحمد بـ"التزام إثيوبيا بضمان حصة مصر من مياه النيل"، إلا أن ما صرّح به وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي أول من أمس الأربعاء خلال كلمته في "المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول المياه من أجل التنمية المستدامة" المنعقد بطاجيكستان، يكشف حجم الكارثة المنتظر وقوعها في مصر جراء السد الإثيوبي، ويؤكد أن تصرف السيسي وتصريحاته خلال المؤتمر مع أبي أحمد، هي أشياء للاستهلاك المحلي ليس إلا.

عبد العاطي أكد أن حالة المياه في مصر تعد "حرجة وفريدة من نوعها، إذ إنها بلد جاف جدًا تقع في منطقة شبه قاحلة، وأن مصر وصلت إلى حالة تفرض فيها كميات المياه المتاحة حدودًا على تنميتها الاقتصادية"، مضيفًا أن "التنبؤات السكانية لعام 2025 يتضح معها أن نصيب الفرد في مصر من المياه قد ينخفض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، مع مؤشرات التدهور السريع في جودة المياه السطحية والجوفية، بالإضافة إلى كونها دولة المصب في حوض النيل، حيث تعتمد اعتمادًا كليًا على نهر النيل النابع خارج حدودها، فهي الدولة الأكثر جفافًا في العالم، وتبلغ نسبة الاعتماد على الموارد المائية المتجددة 97% وفقًا لمنطمة الأغذية والزراعة".
عبد العاطي قال أيضًا إن "مصر تعد مثالًا نموذجيًا لدولة نامية معرّضة بشدة للتغيرات المناخية وتواجه العديد من التهديدات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وإن هذه الضغوط تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر وتسرُّب المياه المالحة إلى خزانات المياه الجوفية الأرضية، علاوة على المناطق المعرضة للغمر بسبب انخفاض مناسيبها الجغرافية مثل دلتا النيل، حيث إن الملايين من الناس في دلتا النيل معرضون للخطر وإعادة التوطين وضياع استثمارات تقدر بمليارات الدولارات".

وحسب الوزير المصري فإنه "من المتوقع أن تؤدي تأثيرات تغير المناخ في الساحل الشمالي لمصر إلى هجرة ما لا يقل عن 5 ملايين شخص من دلتا النيل، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات التكيّف المناسبة، كما تتنبأ دراسات تغير المناخ بانخفاض إنتاجية محصولين رئيسيين في مصر هما (القمح والذرة) بنسبة 15% و19% على التوالي بحلول 2050، وتمليح 15% من أكثر الأراضي الصالحة للزراعة في دلتا النيل، هذا دون إغفال تأثيرات تغير المناخ على أنماط سقوط الأمطار في حوض النيل وتأثيرها على تدفقه".

ويرى خبراء في الزراعة أن سياسات مصر الزراعية، ومنها تقليص المساحات المنزرعة بالأرز تؤدي إلى الإضرار بدلتا مصر، وبحسب ما قاله سابقًا أستاذ الموارد المائية والري نادر نور الدين لـ"العربي الجديد" فإنه "بعد بناء السد العالي الذي حرم الأراضي من الطمي الغني، أصبحت زراعة الأرز الوسيلة الوحيدة لحماية أراضي الدلتا من البوار والملوحة التي قد تتعرض لها نتيجة للبحر المتوسط والمياه الجوفية السطحية المالحة، حيث إن هناك أصلًا 37% من أراضي الدلتا المقدرة بـ4.5 ملايين فدان تعاني الملوحة الزائدة، وزراعة الأرز هي الوسيلة الوحيدة لغسل تلك الأراضي".

وكانت الحكومة قد قررت تخفيض المساحة المنزرعة بمحصول الأرز من 1.1 مليون فدان إلى 724.2 ألف فدانا فقط، وذلك بعد ترويج إثيوبيا لأن مصر تهدر مياه النيل في زراعة الأرز، وهو الأمر الذي اعتبره نادر نور الدين رضوخًا مصريًا أمام شائعات تروّجها إثيوبيا ليس لها أساس من الصحة، حيث أكد أن القول إن الأرز يستهلك كمية كبيرة من المياه "غير صحيح لأن الفدان الذي ينتج طنين من القمح ينتج 4 أطنان من الأرز، فحتى إذا كان الأرز يستهلك ضعف كمية المياه فإنه ذو جدوى اقتصادية".
ووقّعت مصر إعلان المبادى مع السودان وإثيوبيا في عام 2015، وهو التوقيع الذي انتقده خبراء في المياه ومنهم وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام، الذي قال في تصريحات صحافية إن "على الحكومة المصرية أن تعترف بالخطأ لأن توقيعها على وثيقة سد النهضة المعروفة بإعلان المبادئ خطأ استراتيجي كبير، اعترفت فيه مصر بسد النهضة وتجنبت التحدث فيه عن سعة السد، واعترفت بأن لإثيوبيا حقا باستخدام مياه النيل الأزرق والنيل الرئيسي، كما اعترفت بمبدأ الاستخدام المنصف والعادل للمياه، وهو ما يعني الاعتراف بحصة مائية لإثيوبيا تخصم من حصة مصر والسودان".

وأضاف علام أن "مصر أعطت لإثيوبيا اليد العليا في إقرار ما تريد فعله بمياه السد، واستخدامها في أغراض مختلفة مثل الصناعة والزراعة والشرب، بعد أن كانت كل ما تطالب به هو استخدام السد في توليد الكهرباء فقط".

وأكد أن "ملف سد النهضة هو أزمة دولة"، ورأى أن "أداء الدولة في ملف السد غير مجدٍ على الإطلاق، ولا يعكس حنكة سياسية أو فهما عميقا للملف، خصوصًا أن هناك انبطاحًا مصريًا شديدًا أمام المفاوض الإثيوبي، مما سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا يستطيع تخيّلها المسؤولون الحاليون، لأنهم ليسوا على دراية كافية بتأثير السد على مصر.

المساهمون