موازنة الجزائر... الحكومة تتفادى السخط الشعبي بالتراجع عن خفض الدعم

06 أكتوبر 2017
الصورة
زيادة الدعم بأكثر من 1.1 مليار دولار (Getty)
+ الخط -
قررت الحكومة الجزائرية عدم المساس بسياسة الدعم بالرغم من مرور البلاد بأزمة مالية حادة خلّفها تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية، في وقت لا تزال تبحث فيه الجزائر عن طريقة سلسة للانتقال من الدعم العام للأسعار والخدمات إلى الموجه الذي يمس الفئات الهشة من المجتمع. 

وفي المقابل، لجأت حكومة أحمد أويحيى إلى رفع الرسوم المفروضة على العديد من السلع واسعة الاستهلاك لرفع التحصيل الضريبي لتمويل الخزينة العمومية.

ووضعت الحكومة في مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المقبلة، الذي صادق عليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قبل يومين، مخصصات مالية بنحو 1.76 تريليون دينار جزائري (15 مليار دولار) للتحويلات الاجتماعية والدعم المقدم للأسر والعائلات، وبالتالي تكون الحكومة قد حافظت على الإنفاق الاجتماعي في مستويات مرتفعة رغم الأزمة التي تعيشها البلاد منذ 2014 وتراجع الإيرادات بنحو النصف، بسبب مخاوف من غليان الجبهة الاجتماعية السنة المقبلة، وهي السنة الأخيرة من العهدة الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة.

وقالت الحكومة الجزائرية في بيان صدر عقب اجتماعها بالرئيس بوتفليقة، إن "هذا المبلغ سجل زيادة بنحو 8% مقارنة بمخصصات 2017 لهذا الصنف من النفقات"، مشيرة إلى المخصصات الموجهة أساسا لدعم العائلات والسكن والصحة، وكذا لدعم أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع، أي الحبوب والحليب والسكر والزيوت الغذائية".

وأضافت الحكومة أن الأمر يتعلق بمواصلة دعم السياسة الاجتماعية للدولة، لا سيما لفائدة العائلات من خلال دعم أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع ومرافقة ذوي الدخول الضعيفة والفقراء والمعوقين.

وعلى عكس التوقعات، رفعت الحكومة قيمة التحويلات مقارنة بقانون مالية العام الجاري، بنحو 129 مليار دينار (1.137 مليار دولار).

والظاهر من هذه الخطوة أن الحكومة الجزائرية تريد تهيئة الظروف خاصة على الصعيد الاجتماعي، قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة شهر إبريل/ نيسان 2019، وتأجيل مراجعة نظام الدعم.

وفي قراءة له بشأن توجه الحكومة إلى رفع ميزانية الدعم رغم مرور البلاد بأزمة اقتصادية حادة، قال الخبير الاقتصادي فرحات علي، إن بصمة حسابات الانتخابات الرئاسية ظهرت في قانون الموازنة العامة للسنة القادمة، حيث راجعت الحكومة حساباتها بداية بتأجيل قرار مراجعة سياسة الدعم، بعدما كان من المقرر العمل بها خلال أشهر قليلة، وقبل ذلك أعلنت الحكومة أيضا عن تمديد عقود أصحاب العمل المؤقتين.

ورفعت الحكومة أيضا، نهاية الأسبوع الماضي، التجميد عن بناء المدارس والمستشفيات، كما وجهت إشارات إلى المتعاملين خارج السوق الرسمية بأن أموالهم لن تطاولها أيدي الحكومة في الوقت الحالي برغم الأزمة، وذلك عقب تحرك لوبيات السوق الموازية التي قفزت بأسعار العملة الصعبة وأسعار المواد واسعة الاستهلاك.

وأضاف المتحدث أن "هذا الإجراء يراد به تمهيد الطريق أمام الرئيس الحالي بوتفليقة، في حال أراد الذهاب نحو عهدة رئاسية خامسة أو تمهيد الطريق لخليفته الذي سيكون مرشح السلطة والجيش بطبيعة الحال".

واعتبر علي أن رفع ميزانية الدعم في ظروف اقتصادية صعبة له خلفيات سياسية أكثر منها اجتماعية أو اقتصادية، والدليل الآخر هو تركيز البيان الصادر عن الحكومة على الإيجابيات وترك السلبيات، كرفع أسعار الوقود وغيرها من الزيادات التي ستكوي جيوب المواطن.

وبالمقابل، قررت الحكومة الجزائرية رفع الضرائب والرسوم المطبقة على العديد من السلع والمنتجات واسعة الاستهلاك. ومن بين المنتجات التي ستشهد زيادات جديدة سنة 2018، الوقود والتبغ بمختلف أنواعه، والذي سيعرف زيادة بقيمة 10%، منها التبغ الأسود والسجائر، وتبغ التدخين (الشيشة) وتبغ للنشق والمضغ.

ومن المتوقع أن يرتفع سعر الكيلوغرام من التبغ الأسود من 1240 دينارا (11 دولارا) إلى 1640 دينارا (14 دولارا)، كما سيتم بيع الكلغ الواحد من تبغ الشيشة بسعر 682 دينارا (6 دولارات).

وحمل مشروع قانون الموازنة العامة للسنة المقبلة أيضا، قائمة إضافية من المنتجات المعنية بزيادة بنسبة 30%، منها البن والمكسرات (الفستق واللوز المجفف) والتجهيزات اللاسلكية، وأجهزة الإنذار الكهربائية للحماية من السرقة والحرائق ومعدات مماثلة، بالإضافة إلى اليخوت وسفن النزهة.

كما ستعرف أسعار المشروبات الكحولية ارتفاعا بنحو 30% بداية من يناير/ كانون الثاني المقبل، في وقت لم تمس فيه الزيادة أسعار الجعة، الأكثر استهلاكا في البلاد.

وفي السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمان بن خالفة، أن الحكومة حاولت أن تجنب المواطن دفع فاتورة مخلفات الأزمة المالية، حيث اتجهت لرفع الرسوم المطبقة على عملية استيراد وبيع المنتجات الثانوية أو الكمالية، كالخمور والتبغ وقوارب الاستجمام (اليخوت) التي لا تعد في متناول جميع المواطنين.

وعن رفع أسعار الوقود للمرة الثالثة في غضون ثلاث سنوات، أشار بن خالفة في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن أسعار الوقود في الجزائر تبقى الأدنى مقارنة بدول المنطقة وحتى مقارنة بدول الخليج.

وقال بن خالفة، وهو وزير أسبق للمالية الجزائرية: "كنت صاحب قرار رفع أسعار الوقود حين كنت وزيرا سنة 2015، وقد راعينا حينها ألا تتعدى الزيادات 5 دنانير وهو ما تم فعلا بعد مفاوضات مع نواب البرلمان، وكان الخيار إما رفع أسعار الوقود أو رفع أسعار الكهرباء والغاز والماء، وكان الخيار الوقود عوض المساس بأساسيات الحياة".

وتتوقع الحكومة الجزائرية في وثيقة الموازنة العامة للسنة المقبلة، انخفاض احتياطي صرف البلاد من العملة الصعبة من 103 مليارات دولار حاليا إلى 85 مليار دولار نهاية 2018، على أن ينخفض التضخم إلى 4% مقابل 8% حاليا.

وقررت الحكومة الجزائرية بداية من العام المقبل، اعتماد آلية التمويل غير التقليدي، الذي يسمح للخزينة العامة باقتراض 11 مليار دولار سنويا طيلة السنوات الخمس المقبلة، وهو الإجراء الذي سيدفع المركزي الجزائري إلى طبع 570 مليار دينار (55 مليار دولار).

ويعيش الاقتصاد الجزائري أزمات متواصلة منذ بدء تراجع أسعار النفط في منتصف عام 2014، وارتفعت حدة المشكلات أخيراً مع زيادة الأسعار في مقابل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وتلفت المؤشرات الاقتصادية إلى تأثر المواطنين بإجراءات التقشف الحكومية، مع ارتفاع حدة التضخم، وفق البيانات الرسمية، إلى 8% منذ بداية العام، كما وضعت الحكومة سقف 30 مليار دولار كأقصى حد يمكن استغلاله في استيراد بضائع من الخارج هذه السنة.

المساهمون