حكومات بين الاستسهال والاستهبال
إبراهيم محلب يدافع عن رفع الأسعار أمام الصحافة (يوليو/2014/Getty)
لا أحد يجادل في أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى إجراءات جراحية لتصحيح اختلالاته التي يمثل الدعم أحد أعقد مظاهرها، خصوصاً من زاوية المبالغة فيه كماً، وسوء تخصيصه كيفاً، لكن دلالات الإجراءات المتخذة في مصر، أخيراً، تتجاوز، بمراحل، حدود تصحيح الخلل في منظومة الدعم، فالطريقة التي تم بها اتخاذ القرار وإنفاذه تنم عن غطرسةٍ سياسيةٍ، ولا مبالاةٍ بردود فعل المواطنين. وتشير، أيضاً، إلى أن حكومة عبد الفتاح السيسي/ إبراهيم محلب لا تختلف في شيء عن حكومات حسني مبارك، من أحمد نظيف رجوعاً إلى عاطف عبيد وكمال الجنزوري وعلي لطفي، ومن قبلهم.
فكل تلك الحكومات كانت تعمل، بدرجات متفاوتة، من "كشكول" واحد، هو ذلك الخاص بصندوق النقد الدولي، بالاعتماد على الإصلاح المالي، وتحرير الأسعار لتحقيق توازن السوق. وذلك بغض النظر عن الأثر الاجتماعي، ومن دون بذل أي جهد في وضع رؤية شاملة للوضع الاقتصادي ومتطلبات إصلاحه هيكلياً، وليس فقط تغطية الفجوة التمويلية. الفارق أن حكومات مبارك كانت تتحسس الخطى، وهي ترفع الأسعار، أو تعدل جزئياً في منظومة الدعم. أما حكومة السيسي/محلب فقد اختارت طريقة "الضربة الخاطفة" بمنطق الكوماندوز الذي يقوم بالعملية، وهمُّه الأوحد تحقيق الهدف، مهما بلغت الخسائر.
ذلك الاستسهال في تقدير تداعيات القرار ومردوده يعكس استهانةً بالشعب المصري وأوضاعه. وهذا خطير، أن يتجاهل القائمون على الأمر عمق ونطاق الأثر السلبي لرفع أسعار الوقود وخفض دعم السلع الأساسية (التموين)، بما يعنيه ذلك من ارتفاع أسعار كل السلع، الغذائية وغيرها. وبالتالي، ارتفاع أسعار الخدمات الاجتماعية ومستلزمات المعيشة التي تعتمد، منذ عقود، على القطاع الخاص، بعد انسحاب الدولة. لذا، فالكارثة مزدوجة، استهانة بالآثار السلبية وردود الفعل عليها. واللجوء إلى أسهل الحلول وأكثرها بعداً عن المساس بأوضاع أصحاب الثروات الضخمة ومكاسبهم. وتلك الكارثة الثانية مفهومة وواضحة، إذ ليس متصوراً أن يأخذ السيسي أي إجراء من شأنه الصدام مع رجال الأعمال، أو الطبقة الغنية وأباطرة المال والاقتصاد، فهم الذين وقفوا معه، وأيدوه منذ "3 يوليو" حتى أصبح رئيساً.
وهم، أيضاً، الذين يملكون زعزعة الاستقرار الاقتصادي بصورة أخطر وأعمق من رفع الدعم عن الفقراء. والأهم من هذه وتلك أن مصالح هؤلاء وأعمالهم مرتبطة عضوياً بمصالح وأنشطة مؤسسات الدولة وأجهزتها المنخرطة في الاقتصاد المدني بشكل واسع، ومصالحها فيه تكاد تتطابق مع مصالح الكيانات الخاصة الأخرى.
هنا، يكمن الشق الخداعي في المسألة، وهو اختزال الإصلاح الاقتصادي في تصحيح السياسات المالية، ثم اختزال ذلك، أيضاً، في توفير حصيلة مالية (جباية) من الفقراء. والتغاضي عن عشرات الأدوات الأخرى، لتوفير حصيلة أكبر بعدالة أكثر، لمجرد أنها ستتقاطع مع مصالح الحيتان الكبيرة وثرواتها. وهو، في الواقع، ليس فقط اختزالاً، وإنما هو "استهبال"، تتظاهر فيه الحكومة بأنها هبلة، لا تدري من أمرها شيئاً، وهذا غير صحيح، فحكومة السيسي/ محلب تدرك جيداً ما تفعل، ولماذا. والدليل على ذلك أن قوائم الأسعار الجديدة للمواصلات وللتبغ والسلع التموينية كانت جاهزةً ومعدّةً سلفاً. وحافلات القوات المسلحة معنونة بخطوط سير محددة، نزلت إلى الطرق، فور اعتراض سائقي النقل الجماعي الخاص على رفع الأسعار.
يخطئ من يتصور أن ما جرى في مصر أمر تكتيكي، أو اضطراري، فهو جزء من فكر وسياسة واضحة وثابتة، وتجسيد لمصالح وترابطات، يصعب فصمها، لكن، يسهل فهمها. كل ما في الأمر أن نشوة السلطة وغرور الكرسي يفضيان، أحياناً، إلى حالة من الاستسهال في التلاعب بمصائر الناس، ثم الاستهبال عليهم بأن كل شيء قابل للتعديل والتحسين، ربما بعد جيل أو جيلين!