حكواتي: تاريخ القريا الذي لا يموت

حكواتي: تاريخ القريا الذي لا يموت

23 اغسطس 2015
الصورة
مضافة سلطان باشا الأطرش (موقع syriaphotoguide)
+ الخط -
لا يمكن أن تأتي إليها دون أن تحدّثك عن نفسها. مذ تدخُلُها، يقول لك الصرح الكبير فيها إنّك هنا في القريا، بلد الثورة السورية الكبرى، بلد العزّ والشهامة، بلد التاريخ الذي لا ينسى.

تقع القريا جنوب محافظة السويداء على بعد عشرين كيلومتراً. يلاقيك مدخلها الجميل، إذ تحتفي أشجار النخيل بزائرها مثلما يبتهج العنب على باب كل بيت فيها. يعود اسم القريا إلى كلمة "القِرى"، وتعني "إطعام الضيف الآتي من أيّ مكان وإكرامه مها طالت إقامته"... وهذه سمة عامة لدى أهل جبل العرب في سورية.

تمتاز هذه البلدة بتاريخ قديم يظهر من خلال آثار تنتشر في أنحائها، وتدلّ على أنّها كانت مسكونة ومأهولة بالبشر منذ العصر الحجري، إضافة إلى وجود آثار رومانية لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، مثل الأعمدة الرومانية.

وما زاد من شهرة هذه البلدة في سورية وخارجها هو تسطير اسمها في التاريخ الحديث، إذ انطلقت منها شرارة الثورة السورية الكبرى في عام 1925، بقيادة أحد زعمائها، الزعيم المشهور، سلطان باشا الأطرش، لتقدّم عدداً كبيراً من شهداء الثورة، ولتكون منارة للحرية.
في هذه البلدة، البعيدة والبسيطة، كانت تُعقد أهمّ اجتماعات الثوار.

اقرأ أيضاً: زي السويداء التقليدي مكللاً بليرات الذهب

إذ كانت تُدار ثورة كاملة ضدّ الاحتلال الفرنسي من جنباتها وبيوت أهلها ووجهائها. وقد اعتادت هذه البلدة على وجود الضيوف الدائم والأعداد الكبيرة من الزائرين طيلة أيّام السنة وشهورها.

ولعل أهمّ ما تتباهى به هذه البلدة هو مضافة سلطان باشا الأطرش، التي لم تزل إلى يومنا هذا قائمة بكلّ موجوداتها الأصلية، ولم تزل قبلة للزائرين والسياح الذين يأتونها ليعيشوا التجربة الحقيقية للتاريخ الذي جرى فيها، وليقرأوا وصية سلطان باشا التي لم تزل معلّقة في زاوية المضافة. تلك التي نادى فيها "إلى السلاح إلى السلاح، ما أُخِذ بالقوّة لا يسترد بغيرها". تلك التي قال فيها أيضاً جملته الشهيرة: "الدين لله والوطن للجميع".

ويمكن للزوّار والسيّاح بعدها أن يشربوا القهوة المرّة، كما كان يشربها الفرسان قبل الذهاب إلى المعركة. ولعلّ صرح الثورة السورية الكبرى، الذي بُنِيَ فيها حديثاً، والذي كلّف الكثير من الأموال ليظهر على هذا الشكل الجميل والضخم والمميّز معمارياً وجمالياً، هو ما يميّزها الآن عن أيّ مكان آخر في سورية، وهو ما يجعل تاريخها حاضراً في كلّ لحظة.

اقرأ أيضاً: بالصور: هربت من "داعش" فصارت ملكة جمال العرب

يتألّف الصرح من بناء ضخم مغطّى بحجر البازلت الأسود، تعلوه أعمدة عالية جداً تجعله مرئيَاً ومنظوراً من أيّ مكان داخل البلدة. وتحيط به ساحة كبيرة مرصوفة بالحجارة السوداء... داخل الصرح هناك متحف غنيّ يضمّ قطعاً تدلّ على الثورة السورية وتاريخها، بالإضافة إلى رفاة سلطان باشا الأطرش، الذي يرقد هناك ويحرس التاريخ من النوم.

تفتخر هذه البلدة أيضا بأنّ أوّل علم عربي علّق وراء أوّل حكومة في دمشق بعد تحريرها من العثمانيين، حيك فيها وعلّق بيد أحد أبنائها.

أما حاضرها فهو ابن ماضيها، إذ تزدان بنسبة كبيرة جدا من المتعلمين وحاملي الشهادات الجامعية والأساتذة الجامعيين، إضافة إلى عدد من الكتّاب والفنانين. واللافت فيها هو النسبة المرتفعة جدّاً للنساء المتعلمات تبعاً لعدد السكان، التي ربما تكون من أعلى النسب في الوطن العربي.

كلّ هذا جعل من القريا منبراً حقيقياً لكثير من الفعاليات الثقافية، خصوصاً تلك التي كانت تتمّ بشكل غير رسمي وتحاول الهروب من سلطة النظام، إذ بقيت ولفترة طويلة تستقبل أسبوعياً أحد الكتّاب في إحدى مضافاتها، مع عدد كبير من مثقفيها، ليدور حوار رائع بإلفة نادراً ما تتكرّر. وهذا ما جعل نظام الأسد يعزّز من حجم الوجود الأمني فيها، ويعتقل عدداً من شبابها منذ التسعينيّات.

أما في ثورة الشعب السوري ضدّ نظام الطاغية، فقد كانت القريا من أوّل أماكن محافظة السويداء التي شهدت حراكاً سلمياً مدنياً، لتقوم فيها مظاهرات تنادي وتدعم درعا وحمص وحماة، وليمارَس عليها القمع والاعتقال، ولتزفّ العديد من شبانها شهداء تحت التعذيب.
ولا زالت القريا اليوم، رغم كلّ ما يجتاح سورية من رايات سوداء، تردّد للسوريين جميعاً مقولة سلطان الأطرش: "الدين لله والوطن للجميع".

اقرأ أيضاً: عن أصدقائي في ذاكرة دوما الجريحة

المساهمون