حكاية من شيراز

05 مايو 2016
الصورة
(منمنمة فارسية)

اقرأ التاريخ ولا تصدِّق المؤرخين.

تقول الحكايةُ إنّ الغازي تيمورلنك كان منقبض الصدر وهو في طريقه لاجتياح شيراز. من يصدّق أَنّ من قتل أَعداداً لا تحصى من البشر؛ كان يحسب حساب بيتين من الشعر، وهو يخبّ على حصانه ويخال الحصان يعرج مثله؟

المؤرّخون ذكروا أَهراماً من جماجم الرجال رفعها جنود تيمورلنك، وذكروا أَيضاً حادثة لقائه بشمس الدين محمد، المعروف بحافظ الشيرازي "أشهر مواطن في المدينة" بتعبير أَرنولد توينبي. بحسب هؤلاء، فإن تيمورلنك أَرسل جنوده لإحضار حافظ فور أَن دخل شيراز ونشر خيمته المغولية.

نارٌ لا تجد من يطفئها على جانبي الطريق وجثث لا تجد من يدفنها.. وحافظ يبدو ساهماً كما لو أَنه رأى ما رآه مِراراً، والجنودُ يأخذونه ليمثل في خيمة الغازي.

تيمور - الذي تشوَّق طويلاً لتلك اللحظة - هاله أَن يرى الحال الزريّة التي وصلَها "لسان الغيب". "عفو الآلهة يا شيراز" قالها في نفسه الغازي الذي لم يوقّر إلهاً سوى القسوة. وسرعان ما سأل الشاعرَ وهو يشير إلى ثيابه المقطّعة - وتلك ظنّها الغازي نقيصة: مع هذي الحال، تُهدي سمرقند وبُخارى، عاصمتي مُلكي، لربّ الهندوس نظير شامتين في وجه من تُحِب؟ قالها تيمور بنبرة تفتعل الغضب.

حافظ وقد عركته الأَيام وحصدت السنينُ قمحَ قلبه مراراً، ما كان ليربِكَه أَيّ نوعٍ من الطغاة وقد عرفهم جميعاً.

الأَنفاس المحبوسة للحرس والحاشية لم تتوقع جواب حافظ وهو يرمق تيمور بنظرة خفيضة لا ينظرها إلا معلِّمٌ مُشْفق نحو صبيٍّ يئس من تأديبه: - الإفراط الذي تتحدث عنه هو ما أَوصلني إلى الحال الذي تراه.

في ابتسامة حافظ وهو يردّ هجرةُ ملايين الطيور وإيابها عبر سهوب غرب آسيا. في نظرته إلى الأَرض نهضةُ شعوب الشرق بعد مئات من السنين المحترقة. وبكلماته واجهنا غزاةً ما زالوا يسألوننا ويستغربون إفراطنا: مع هذه الحال الزريّة، ما زلتم تقاومون؟

وما زلنا نستطيع أَجوبةً
وما زلنا نبتسم
ونضحك
ونفاجئكِ أَيتها الحاشية المهزومة.


اقرأ المؤرّخين ولا تصدّق التاريخ.

دلالات