حكاية الولد العاق الذي صار أستاذاً

حكاية الولد العاق الذي صار أستاذاً

23 ابريل 2018
+ الخط -
صديقي التركي الذي يتحدث اللغة العربية بطلاقة يحب أن يسمع مني مزيداً من الحكايات الواقعية التي كانت تجري في سورية أيام زمان.

قلت له:
كما تعلم، أنا من الشمال، وبالتحديد من محافظة إدلب، وهي محافظة بعلية تعيش على المطر، وأحياناً على المياه الجوفية، ومع ذلك تراها خصبة ومثمرة ومورقة، حتى أن اسمها المتعارف عليه هو "إدلب الخضراء". ولكنك لا تتصور وضع هذه البلاد في أيام احتباس المطر، فما يحصل عليه المزارعون في النتيجة اسمه (نصف موسم)، وأما رعاة الأغنام فتكون حالهم، أيامَ الجفاف، بالويل والثبور، وترى أغنامهم حينما تمشي في الحر تخفض رؤوسها إلى الأسفل مقهورة متعبة.. وأقصى ما يحلم به الرعاة هو الحصول على بئر ماء غير ارتوازي، أي أن ماءه متجمع من المطر ليشربوا منه ويسقوا أغنامهم.. وفي الزمن القديم كان أصحاب الغنم يستأجرون الآبار من الناس الذين لا يربون الغنم، وكانت وحدة القياس المتفق عليها هي (الشبر)، أي فتحة اليد القصوى الكائنة بين الإبهام والخنصر!


وكان يعيش في منطقتنا رجل يدعى "أبو أحمد"، أميّ لا يفقه من الحياة شيئاً، ولكن كفه بحجم المخباط، ولذلك كان مستأجِرو الآبار يشترطون أن يتم قياس الماء في البئر المرشح للاستئجار بشبر أبي أحمد، لأن شبره طويل، فإذا تم الاتفاق على ثلاثة أشبار، مثلاً، فهذا يعني أن توفر الماء في قعر البئر لا يقل عن متر طولي!

هذا الرجل الأمي، نبغ أولادُه جميعهم في الدراسات العلمية، وأقل واحد فيهم حصل على الماجستير، والباقي على الدكتوراه في الرياضيات والهندسة والصيدلة وما إلى ذلك، وهو لا يعرف من أمور أولاده سوى جملة واحدة كان يجيب بها كل من يسأله عن أحدهم فيقول: "الحمد لله ابني فلان صار أستاذ!".

وقد تربى هؤلاء الأولاد وهم يرعون الماعز بيد، ويحملون الكتاب (المستعار مـن الزملاء) بيد، وقد أخطأ صغيرُهم غسان (الذي حصل على شهادة الدكتوراه في الرياضيات من بعد)، ذات مرة وطلب من أبيه خمسين ليرة سورية للتسجيل وشراء كتب السنة الجديدة، وعينك لا ترى إلا (سَحَّارة الكتب) الخاصة به وهي تُقْذَفُ إلى الزقاق، وغسان يلحقها بجسده بعدما أتته رفسة في ظهره من والده، فاتقى الأرض بيديه وصار أنفه في جوف مقرر الرياضيات الإكتوارية، ثم خرج الأب تسانده زوجته وانفلتوا بالسباب عليه، ووصفه بكلمات يخجل الإنسان من تردادها، والدعاء إلى العلي القدير أن يقصف عمره، هذا المبذر الخاسر الذي يريد أن يخرب بيت أبيه بالعلم! وبماذا تفيده الرياضيات إذا فسدت الجبنة الموجودة في الوعاء وما عاد بمقدور أبيه أن يحمل الجبنة وينزل إلى السوق مرفوع الجبين ويبيعها ويعود من السوق مرفوع الجبين مرة أخرى وقد حمل لأسرته أطايب الطعام والشراب؟

وقلت لصديقي التركي: ولكن، ومن حسن الحظ، فإن بعض الناس الذين يعيشون في الكواليس يعرفون كيف يمدون يد المساعدة لغسان وأمثاله. المهم أن أبا أحمد الطيب ووالدته حينما تلقيا خبر تخرج غسان بشهادة دكتوراه في الرياضيات، لم يفهما ماذا تعني الدكتوراه، وكالعادة زُهي أبو أحمد، ورفع منخاره في الهواء وقال بخيلاء:
- ابني غسان صار أستاذ!

دلالات