حكايات عن القلوب

15 يناير 2020
الصورة

(Getty)

+ الخط -
قبل زمن، طالَبَنا معلم علوم حاذق ألا نربط بين عواطفنا وقلوبنا، والسبب الموجه إلى مراهقات حالمات، وحسب اطلاعه العلمي الواسع، أن القلب هو جزء مثل باقي أجزاء جسم الإنسان. وعلى وجه التحديد، هو عضلةٌ لا تتجدّد خلاياها ولا تُصاب بالسرطان، ولكنها في الوقت نفسه تعمل بانتظام، وليس لها علاقة بالحب والكراهية، ولكن العلم الحديث عاد أخيرا ليؤكد أن القلب يتأثر بالحزن والفرح، وفي حالات الحزن الشديد، وخصوصا فقدان أحد الأحبة، يتعرّض لما يعرف طبيا بحالة "انكسار القلب". 
موجعٌ أن تعرف عن هذه الحالة بعد فوات الأوان، بعد أن تفقد عزيزا تعرّض لحالة انكسار قلبه، بسبب الحزن والخذلان ممن حوله، وكأن هذا الإنسان قد فقد القدرة على الشكوى والتعبير، وجمع كل حزنه وألمه حتى انكسر قلبه. تصوّر هذه العضلة التي تضخ الدم وتستقبله طوال الوقت يحدث فيها شرخ أو كسر، وقد ينجو صاحبها للمرة الأولى، ولكنه لن ينجو في مرة ثانية، وسوف تسجّل حالة وفاته تحت سبب "متلازمة القلب المنكسر".
ليتنا ندرك أننا نؤذي من حولنا ونؤذي قلوبهم بالذات، قلوبهم التي كنا نعتقد أنها تتسع لأخطائنا بحقهم، وربما حينما نتحدّث عن شخص إنه صاحب قلب كبير فنحن نثقل عليه، حتى تتوقف قدرته على التحمّل، ونخطئ للمرة الثانية، حين نصف شخصا ما بأن قلبه كبير، فالقلب الكبير ليس تعبيرا صحيحا عن إنسان ذي صفات مثالية، بل القلب الكبير أيضا حالة مرضية، عرفها الطب وشخّصها، فحجم القلب العادي للإنسان بمقدار قبضته حين يضمّها، وما زاد عن ذلك فهو القلب الأكبر حجما المصاب بعلّة مَرضية.
بناء على ذلك، علينا الإقرار بأن القلب يتأثر ويشعر بأنه ينكسر نتيجة للحزن، ولكن القلب الكبير ليس مدعاة للفخر، وليس استجلابا لعفو أو صفح من شخصٍ ما، مثل أن نقول له: أنت قلبك كبير، فنحن علينا أن نخشى اللائمة من أهل الطب، ولكن علينا أن ندعو له بالقلب السليم، وأن يبعد الله عن قلبه المرض الذي ذكر في القرآن، وهو النفاق وازدواج النيّة. وها نحن نعود إلى ذكر القلب في مواضع الإحساس، وننفي عنه أنه جزء من باقي أجزاء جسم الإنسان، ونتساءل: هل الشخص الذي يعيش بقلب صناعي محمولا على ظهره لا يحزن ولا يتألم؟ بالطبع، يحدث ذلك كله له. ولذلك علينا أن نخلص لنتيجة واحدة أن جسم الإنسان هو منظومة واحدة متكاملة ومتصلة ومتواصلة ومترابطة. ولذلك كل مؤثرٍ خارجي يؤثر فيه، وإلا لما كان هناك كثير من الأمراض العضوية ذات سبب نفسي بحت، تزول بزوال سببها، فعلينا أن نحرص بالدعاء لمن نحبّ بالقلب السليم. وحين نريد أن نطلب صفحا أو مساعدة من شخص علينا أن ندعو له بقلبٍ لا يحمل الحقد والغل والحسد والشحّ والكبر.
يتأثر هذا الجزء الصغير بطعامنا الذي نأكله، تترسّب الدهون الضارّة على جدران عروقه المتصلة به والواردة والصادرة منه وإليه، والتي تعبنا ونحن نتعلم وظيفتها في المدرسة الابتدائية، بل كنا نلون الشرايين باللون الأحمر دلالةً على نقاء الدم فيها. أما الأوردة فهي زرقاء اللون، لأنها تحمل دما غير مؤكسد، أي فاسدا بلغة العامّة، ويبدو أننا لذلك نصف الإنسان الماكر الخبيث بأن نابَه أزرق. وهكذا لا يمكن أن نفصل بين القلب وما يتعرّض له الجسم نفسيا وحسّياً، فالمدخنون الشرهون يموت معظمهم بأمراض القلب والرئة، فخالي الذي مات فقيرا بعد غنى، وبجلطة قلبية، كان ينفق كل قرش يحصل عليه لشراء الدخان "الفرط"، أي سيجارة واحدة، وقد مات ولم يسدّد دينا لصاحب الكشك الصغير على ناصية بيته.. تُرى، هل على أهله أن يسدّدوا دين الدخان وهو حرام؟ هكذا تساءلت امرأةٌ متّشحة بالسواد في بيت العزاء، فيما قالت زوجته هامسة: ذنبه في رقابكم جميعا، فلم ترحموا عزيز قوم ذل فانكسر قلبه!