حكايات المراهقة

05 اغسطس 2018
الصورة
حياة جامعية (دايفد ديغنر/ Getty)
اجتزت الشهادة الإبتدائية بتفوق، وكنت الأول على منطقتي. لم أكن من هواة كرة القدم ولا الأنشطة الرياضية عموماً، بل من عشاق القراءة والأفلام السينمائية والموسيقى، وكلها بطبيعة الحال تستلزم قضاء الوقت في المنزل.

في المرحلة الإعدادية تغيرت اختياراتي، واصلت حبي للقراءة والأفلام، لكني أصبحت أميل إلى قضاء وقت أطول بعيداً عن المنزل، مدمناً على الرحلات الخلوية والمعسكرات الطلابية، حتى أنني انضممت لفترة إلى فرقة موسيقية. في تلك المرحلة تدهور مستواي التعليمي، واجتزت الشهادة الإعدادية بمعدل متوسط. أذكر أن أبي، كان مبتهجاً باجتيازي الامتحان، إذ لم يكن يعتقد أن بامكاني النجاح.

في المرحلة الثانوية زادت الأمور تدهوراً، وأصبح قضاء الوقت مع الأصدقاء خارج المنزل شغلي الشاغل، وبات التعليم آخر اهتماماتي. وقتها رحلت أمي عن الدنيا، وتغيرت تفاصيل الحياة إلى حد كبير، ما جعلني أميل إلى البقاء خارج المنزل أكثر.

كنت مراهقاً صعب المراس، عنيداً إلى درجة لا يمكنني الآن تفهمها، ولست أدري على وجه التحديد سبب تحولي إلى النقيض في السنة الأخيرة من المرحلة المؤهلة للالتحاق بالجامعة.
عدت للتركيز على دروسي، وكنت مصمماً على تحقيق معدل يخالف توقعات العائلة. كان شقيقي البكر قد اجتاز الشهادة الثانوية بمعدل مرتفع والتحق بكلية الصيدلة، وكان أبي فخوراً بذلك، لكنه في المقابل كان لا يعول بالمرة على معدلاتي بعكس آماله خلال سنوات تعليمي الأولى.

اجتزت الثانوية بمعدل غير متوقع، كان بمقاييس السنة السابقة يؤهل للالتحاق بكلية الطب. أذكر أن أبي صاحب الشخصية الحادة والطباع الصارمة كاد أن يرقص فرحاً يوم أن حملت إليه النتيجة، لكن معدلات هذه السنة كانت مرتفعة فلم ألحق بالطب، وإنما أهلني المعدل لكلية الهندسة، وهو ما كان أبي يدعمه بقوة.



عندما عدت إلى المنزل من مكتب تنسيق القبول في الجامعة حاملاً أوراق التقدم إلى "كلية اللغات" لم يتفهم أبي الأمر، وإن لم يعترض على اختياري علناً. سألني عن الوظيفة التي تؤهل لها تلك الكلية، فلم أمنحه جواباً شافياً، إذ لم أكن أعرف على وجه التحديد، ثم سألني عن سبب عدم الالتحاق بالهندسة، فقلت إنني لست مؤهلاً لهذا النوع من الدراسة.

لم يكن أبي راضياً عن اختياري، لكنه اقتنع بمبرري، فسنوات الدراسة قبل الجامعية كانت تؤشر إلى خيارات شاب تنحصر هواياته في السينما والموسيقى والآداب والتاريخ، وليس الهندسة.

غادر أبي دنيانا خلال سنتي الدراسية الثانية في الجامعة، ولم يشهد تخرجي، أو اختياري للعمل بالصحافة التي لم تكن يوماً تخطر بباله أو ببالي.