حكايات التهجير والقمع في مصر

حكايات التهجير والقمع في مصر

27 فبراير 2017
الصورة

(ياسر صافي)

+ الخط -
كنا صغاراً حين سمعنا أول مرة عن قصص التهجير وحكاياته التي طاولت أقاربنا وأهلينا، الذين كانوا يقطنون مناطق الشمال الشرقي لمصر (سيناء وبورسعيد والسويس والإسماعيلية)، أو ما كانت تعرف وقتها بمدن "القنال"، نسبة إلى قناة السويس. كنا نتحلق حول الجدّ، في ليال باردة كهذه، كي يحكي لنا كيف نزح أقاربه وأهله ليلاً، تحت نيران القصف التي كانت تطلقها مدافع "العدو" وطائراته علي منازلهم عام 1956، في أثناء ما يُعرف بالعدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) علي مصر أو "حرب السويس" التي جاءت رداً علي قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، والتي لم تتوقف إلا بعد تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (قطبي الحرب الباردة) ضد الدول المعتدية، واضطرت مصر إلى سحب قواتها حوالى عشرة كيلومترات على جانبي القناة، ووضع قوات طوارئ دولية على الحدود مع فلسطين المحتلة. فكانت الموجة الأولى للمهّجرين والنازحين التي استقبلتها محافظات الوادي بالكرم والترحاب. آنذاك، كانت القصص والملاحم الشعبية عن دور أهالي بورسعيد والسويس في مقاومة العدوان الثلاثي لا تزال طرية في الذاكرة، ومصدر إعجاب وفخر لكثيرين، بل ومصدر إلهام للفن والملحنين، فغنى عبد الحليم حافظ أغنيته "حكاية شعب"، وتم تأليف الأشعار التي ظلت خالدة وحاضرة معنا، ومنها "دع سمائي فسمائي محرقة"، في حين تم تجديد الاحتفاء بأغنية أم كلثوم "مصر التي في خاطري وفي فمي"، والتي كانت قد غنتها بعد حركة الضباط الأحرار عام 1952.
ثم جاءت الموجة الثانية للنزوح مع هزيمة 1967 أو النكسة، والتي خسرت فيها مصر نصفها الشرقي من سيناء وحتى القناة، وتم تهجير أهالي بورسعيد والسويس والإسماعيلية تحت القصف، الذي لم يتوقف طوال فترة الحرب. وقد وصلت أعداد المهجّرين والنازحين، بحسب بعض الإحصاءات، إلى حوالى مليون شخص بين 1967 و1973. استقبلت المحافظات
القريبة من مدن القناة، كالشرقية والقليوبية والقاهرة، عشرات الآلاف من المصريين الفارّين من الحرب، ووفرت لهم المأوى والملاذ الآمن. ظل حلمهم بالعودة إلي ديارهم وبيوتهم قائماً حتى حرب أكتوبر 1973، فعاد بعضهم وبقي آخرون حيث نزح. أتذكر كيف كنا نستقبل هؤلاء المهّجرين والنازحين كأبطال، ونعاملهم بقدر عالٍ من الاحترام والتقدير، ليس فقط لوقوفهم على الخط الأول لمواجهة العدو، وإنما أيضا لتحملهم جرائمه وفداحة خسارة منازلهم وأرضهم. وحين كان يلتحق طفل من أبناء المهجرّين بمدرستنا، كنا نراه بطلاً صغيراً، فيما قد لا يكون دارياً بما يحدث حوله. ولكنها معركة الرمز والصورة التي طُبعت في مخيلتنا عن الحرب والعدو والكفاح لاسترداد الأرض.
وبقدر احتفائنا بحكايات التهجير والنزوح، لا لشيء سوى أنها كانت بسبب عدو أجنبي، لم يحدّثنا أجدادنا عن حكايات التهجير القسري المخزي التي جرت في بلدنا، سواء على أيدي الدولة، أو بأيدي جماعاتٍ عدميةٍ، لا تعرف سوى القتل وقطع الرؤوس. فكانت مأساة تهجير أهل النوبة في جنوب مصر، والتي بدأت منذ أوائل القرن العشرين مع بناء خزّان أسوان عام 1902، بعد غرق كثير من قراهم وأرضهم، نتيجة ارتفاع منسوب المياه، قبل أن يتم تعلية الخزان عام 1912. وذلك إلى أن تم البدء في بناء السد العالي عام 1960، وبدأت معه موجات نزوح أهالي النوبة الذين قارب عددهم حينذاك 55 ألف شخص، ينتمون إلى حوالى 15 ألف أسرة إلى منازل مؤقتة، تم بناؤها علي عجل، ولم تكن تكفي، فاضطرت العائلات إلى أن تعيش مع بعضها، حتى يتم الانتهاء من بناء كل المنازل المطلوبة، وظلت الدولة تماطل حتى فقد الأهالي الأمل في الحصول على حقوقهم حتى وقتنا هذا.
وبعد قيام نظام يوليو 2013، وانفلات الأوضاع في سيناء وخروجها عن السيطرة، بدأ النظام في تهجير عشرات العائلات من منطقة رفح والشيخ زويد، من أجل إخلاء المنطقة، بحجّة محاربة العصابات التكفيرية، كالدواعش وغيرها. وتم تهجير الأهالي الذين لم يملكوا خياراً بين قصف النظام العشوائي ديارهم ومزارعهم، وإجرام عصابة الدواعش الذين يستخدمونهم وقوداً في حربهم ضد النظام، فكان قرار ترحيلهم إلى مناطق قريبة في العريش وبئر العبد. الآن، يتم تهجير مواطنين مصريين آخرين، ولكن هذه المرة على أيدي الدواعش، لا لشيءٍ سوى أنهم مسيحيون. أي يجري استهدافهم على أساس هويتهم الدينية، وذلك بعدما رسّخ النظام الحالي منطق الاستئصال والاستهداف على أساس الانتماء الإيديولوجي والسياسي. لذا، فإن ما يفعله الدواعش لا يختلف كثيراً عما يفعله نظام سلطوي غارق حتى أذنيه في جريمة التهجير والنفي بطرق مختلفة. فمنذ انقلاب يوليو، خرج آلاف المصريين من ديارهم، خوفاً من القمع والبطش، ولا يزال بعضهم مطارداً داخل البلاد.
لا يوجد فرق كبير في أن يتم تهجيرك علي أيدي نظام سلطوي فاشل، أو عن طريق جماعة عدمية لا تعرف سوى القتل، مثل "داعش"، فالنتيجة واحدة، وهي اقتطاعك من جذورك وأرضك وأهلك. ولا أدري كيف سنروي حكايات التهجير والنزوح والنفي لأبنائنا وأحفادنا، خصوصا إذا كانوا هم أنفسهم أبطال هذ الحكايات.