حقوق الإنسان هي التنمية

حقوق الإنسان هي التنمية

01 مايو 2015
الصورة

الأمن المصري يقمع تظاهرة طلابية في القاهرة (7أبريل/2014/Getty)

+ الخط -

خضع مفهوم حقوق الإنسان، منذ نشأته، إلى تحولات عديدة وتطورات ونضج، ما أدى إلى ظهور ثلاثة أجيال لمفاهيم حقوق الإنسان؛ فقد شكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 15 ديسمبر/كانون الأول 1948 ما هو بمثابة ‎الجيل الأول لمفاهيم حقوق الإنسان. ثم تبعه العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، ثم العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966 - 1969 ليمثلا الجيل الثاني لمفاهيم حقوق الإنسان، فالعهد الدولي لحقوق الإنسان الذي صدر 1948 لم يكن كافياً لتوضيح العلاقة بين حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد كان الجيل الأول من المفاهيم يركز على "الحرية"، وعلى العموميات، فيما ركز الجيل الثاني من المفاهيم على مبدأ "المساواة". بعد ذلك، كان هناك احتياج لجيل ثالث من المعاهدات والمفاهيم والقيم التي تؤكد مبدأ "التضامن"؛ حيث لا تستوي حقوق الإنسان مع الفقر والتخلف وغياب مقومات الحياة الكريمة، فالعلاقة تبادلية دائماً، أو طردية، بين حقوق الإنسان ومقاومة الفقر والتخلف؛ فعندما يكون هناك حقوق إنسان تتحسن حياة الإنسان، وتصبح أكثر كرامة، وتزداد مقاومة الفقر والتخلف، وعندما تزداد مقاومة الفقر والتخلف، تنتشر ثقافة حقوق الإنسان وهكذا. ولذلك، أكد مؤتمر فيينا 1993 أن الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان أمور مترابطة، وأكد أن انعدام التنمية ليس مبررا لأي نوع من انتهاكات حقوق الإنسان. وعرّف المؤتمر التنمية كمفهوم بأنها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة، تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان والتوزيع العادل للفوائد الناتجة من التنمية.‎

فالتنمية، جوهرها وعمقها، تحقيق حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأصبح يتم تعريف حقوق الإنسان، أيضاً، على أنها الجهد الإنساني المشترك الذي يطمح إلى ترسيخ القيم الإنسانية العليا، ذات المعاني النبيلة والسامية التي تتطلع كل الشعوب والمجتمعات إلى تمثيلها والامتثال لها.

وفي عصرنا الحالي، وعند العالم المتقدم، أو الذي يسعى إلى التقدم، تعتبر حقوق الإنسان المقياس الذي يشير إلى تقدم المجتمعات أو تأخرها. إنها المؤشر الكلي الذي يختزل كل الأرقام الإحصائية المعقدة، فالتنمية الحقيقية هي تحقيق حقوق الإنسان، وحقوق الإنسان، بكل أشكالها، هي التنمية الحقيقية، وليست شيئاً آخر.

لذلك، أتعجب من تكرار صحفيين كلمات الممثل العاطفي، عبد الفتاح السيسي، التي يتحجج بها بأن الحقوق الاقتصادية هي من حقوق الإنسان، ولا بد من تحقيقها أولاً، وهي كلمة حق يراد بها باطل، وتعاني عواراً كثيراً ونيات خبيثة كثيرة، مثل معظم كلام السيسي المليء دائما باللف والدوران.

فصحيح أن الحقوق الاقتصادية من ضمن حقوق الإنسان، وأنه لا حقوق للإنسان بدون مساواة وعدالة في توزيع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا ليس مبررا لانتهاكات حقوق الإنسان وتكميم الأفواه وتلفيق القضايا، وحبس شباب الثورة والتضييق والتكدير المستمر للمسجونين على خلفية قضايا سياسية.

لا يكتفي السيسي بالتحجج بالحقوق الاقتصادية، من أجل الهروب من الالتزام بالحقوق السياسية؛ وإنما أيضا يزداد الفشل كل يوم في تحقيق أي حقوق اقتصادية أو اجتماعية، فليس هناك حقوق سياسية، وأيضا هناك مشكلات متزايدة كل يوم في كل شيء، المواصلات والنظافة والتعليم والصحة والرواتب والأمن والمياه والمرور، فعن أي حقوق اقتصادية يتحدث السيسي؟

ولم يكتفِ بالتهرب من حقوق الإنسان السياسية، ولا بالفشل في تحقيق أي حقوق اقتصادية أو اجتماعية؛ وإنما يبدو أنه لن يحقق أي شيء في أي شيء، فتوجهاته الاقتصادية وانحيازه لسياسات حسني مبارك، ومدرسة شيكاغو، وتدليل رجال الأعمال لن تقود إلا إلى مزيد من الظلم والفساد والفقر، هذا ما كان قبل 25 يناير/كانون الأول 2011 وهذا ما نسعى إليه بأسوأ ما فيه، فبدون حقوق إنسان لن تكون هناك تنمية ولا عدالة ولا مساواة ولا راحة ولا رفاهية ولا أي تقدم.

وبعد عدة سنوات من الفشل والظلم والمزيد من الانحدار، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وعلمياً، لن تستفيد مصر ولا المصريون من خطب السيسي العاطفية، وأدائه المسرحي، ولا اللف والدوران.