حقوقيون يهاجمون قوانين "الإدارة الذاتية": فرمانات عسكرية

09 اغسطس 2020
الصورة
تحمي قسد "الإدارة الذاتية" الكردية (Getty)

شكل إصدار "الإدارة الذاتية" الكردية في شمال وشرق سورية لقانونين جديدين، وتعديل ثالث، انتقادات ومخاوف لدى أهالي المناطق الشرقية في سورية، جراء تبعات هذه القوانين على الحقوق العامة للمدنيين القاطنين في تلك المناطق أو الغائبين عنها، في حين تُدافع "الإدارة الذاتية" عن إصدارها لهذه القوانين وما سبقها، بأنها تأتي "بما يتناسب مع مفاهيم وقيم الأمة الديمقراطية".
وكان المجلس العام في "الإدارة الذاتية" قد أصدر قانوني "الرقابة العامة" المشار إليه بالقانون رقم 6 لعام 2020، وقانون "حماية وإدارة أملاك الغائب" المشار إليه بالقانون رقم 7 لعام 2020، بالإضافة إلى تعديل قانون "واجب الدفاع الذاتي" (التجنيد) المشار إليه بالقانون رقم 1 لعام 2019.

يخشى الأهالي من أن يكون قانون "حماية وإدارة أملاك الغائب" مدخلاً للاستيلاء على ممتلكات المهجرين منهم

ومن جملة القوانين الثلاثة، يُعد قانون "حماية وإدارة أملاك الغائب" الأكثر عرضة للانتقاد والهجوم من قبل سكان المنطقة، ولا سيما المغتربين واللاجئين منهم خارج سورية، إذ يخشى الأهالي من أنه قد يكون مدخلاً للاستيلاء على ممتلكات المهجرين منهم، ونسبتهم عالية، بحجة حمايتها من الاعتداءات عليها. وعرَّف القانون "الغائب" بأنه "كل شخص يحمل الجنسية السورية، أو من في حكمه من مكتومي القيد المجردين من الجنسية السورية بإحصاء عام 1962، ويقيم إقامة دائمة خارج سورية، ولا يقيم أحد من أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية في سورية". ونص على تشكيل "لجنة حماية أملاك الغائب"، تقوم بـ"الأعمال الإدارية، وحصر أملاك وأموال الغائبين، وصيانتها والحفاظ عليها". ويعطي القانون الحق للجنة في تأجير واستثمار الأملاك ووضعها في ما سمته "خدمة تنمية المجتمع" من دون تغيير أوصافها. واعتبر جميع العقود المبرمة قبل صدور القانون على "أملاك الغائب"، والتي تشمل كل أمواله المنقولة وغير المنقولة والمملوكة له، والذي غادر الأراضي السورية مدة سنة أو أكثر بقصد الإقامة الدائمة والمستمرة خارجها، مؤقتة. كما نص على أن "الغائب" يفقد حقه في ربع أملاكه "من دون المساس في أصل الحق"، إذا لم يحضر هو، أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى والثانية، خلال مدة أقصاها سنة متواصلة، ولا تُسلّم الأموال، إلا بعد أخذ موافقة رئاسة "المجلس التنفيذي" التابع إلى "قوات سورية الديمقراطية" (قسد). وبموجب القانون، يمنع "الغائب" من حقه في التصرف بأملاكه المنقولة وغير المنقولة في مناطق "قسد"، حتى بعد عودته إلا بموافقة من "الإدارة الذاتية".

ورأى الناشط السياسي والحقوقي رضوان سيدو، المقيم في مدينة القامشلي، ضمن مناطق نفوذ "الإدارة الذاتية"، أن "تعريف القانون للغائب فيه بعض النقاط التي يؤخذ عليها، إذ كان من الممكن لمن يوكل محامياً ألا يعتبر غائباً. كما كان لا بد أن يكون هناك تساهل أكثر، مثلاً عبر إتاحة المجال لأقارب من الدرجة الثالثة أو الرابعة إدارة أملاكه". وأشار سيدو، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "الإدارة الذاتية تصدر القوانين وتتعامل بموجبها مع المهاجرين، وكأنهم إدارة معترف بها، محلياً وإقليمياً ودولياً، ولديها قنصليات في البلدان، ويستطيع المهاجرون مراجعة هذه القنصليات، وتوكيل محامين، ويستطيعون الذهاب إلى سورية، لكن الظروف لا تسمح بذلك. إنهم يتعاملون مع الناس وكأنهم دولة تقدم الخدمات لمواطنيها. لكن الحقيقة أن الإدارة ليس لديها أي شيء من هذا، ورغم ذلك تصدر هكذا قوانين وتربك المواطنين". وأشار إلى أن "القانون مخالف لوثيقة التفاهم لشمال وشرق سورية، التي أصدرتها الإدارة الذاتية نفسها، حيث تشير الوثيقة، في الفقرة الثانية من المادة 32، إلى أن الملكية الخاصة مصانة بقانون، والقانون الأخير مخالف لهذه المادة، كما أنه مخالف للعهود والمواثيق الدولية لحماية الملكية الخاصة". وأوضح سيدو أنه كان بإمكان "الإدارة الذاتية إصدار قانون لحماية أملاك المواطنين، يتضمن تشديد العقوبة للذين يستولون على أملاك الغائبين، أو يزورون العقود، بعقوبة سجن أو غرامة مالية كبيرة. لكن القانون الحالي يُعتبر بالنسبة إليهم مدخلا لوضع أيديهم على أملاك الناس، ليستثمروها لصالح الإدارة الذاتية".


القانون الحالي يُعتبر مدخلاً لوضع اليد على أملاك الناس ليستثمروها لصالح الإدارة الذاتية

وأشار المحامي والناشط الحقوقي رسطام تمو، وهو ابن محافظة الحسكة الخاضعة بغالبيتها لسلطة "الإدارة الذاتية"، إلى أنه من "المعروف أن القوانين تصدر عن جهة شرعية تخضع لدستور في ظل دولة قائمة معروفة في المنظومة الدولية، وغالباً تصدر القوانين عن برلمان منتخب من الشعب، بينما في هذه الحالة، فإن الأمر يعتبر فرمانا أو أمرا عسكريا صادرا عن قوى أمر واقع لا تملك من الشرعية شيئاً، وهي تستخدم نفوذها في إصدار أوامر بصيغ قريبة من القانون كغطاء للاستيلاء على الأملاك وسرقة حقوق الناس دون تعويض أو محاسبة".
وأضاف تمو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هذه السلطات تحرف عن عمد المصطلحات القانونية، وتستخدمها في أماكن لا تعبر عن معناها الحقيقي. فهناك فرق كبير بين الغائب والمهاجر، وأيضاً تجاهل هذا القانون صفة الوكيل الذي يعتبر أهم نظام قانوني سارٍ في كل دول العالم، ويعتبر الناظم في العلاقات بين الناس والضابط القانوني في سير التعاملات وإدارة الأموال وربما التصرف بها". وأشار إلى أن "الوكيل والوكالة، وإدارة شؤون الأصيل التجارية والاقتصادية والقانونية، تعتبر هامة جداً، وأكثر نفعاً من الأقارب، أو أي سلطة كانت، لذلك تجاهُل هذه الناحية يشكل خطورة كبيرة على ممتلكات وحقوق الناس، ومخالفة صريحة لكل الأعراف والقوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان". واعتبر أن "استخدام مصطلح القيّم مثير للسخرية والاستهتار بعقول الناس، لأن القيّم في كافة قوانين الدول هو القائم على إدارة أموال المجانين والمعتوهين، وهو بمثابة الولي والوصي في إدارة أموال القاصرين. فكيف يعامل الغائب أو المهاجر معاملة المجنون أو المعتوه؟ وأيضاً فرضت هذه السلطات شروطاً تعجيزية للاعتراض أو استرداد الأموال المغتصبة، ولا يوجد أي عرف أو قانون بالعالم يسمح بكل ما ورد في هذا القانون. يمكن القول إنه تعبير مكثف عن سرقة ولصوصية منظمة بقانون خاص لإدارة عسكرية".
كذلك يتضمن قانون "الرقابة العامة" تشكيل "جهاز للرقابة العامة" ليكون جهة رقابية عامة مستقلة مرتبطة بالمجلس التنفيذي لـ"الإدارة الذاتية، ومهمته تحقيق رقابة فعالة على عمل مجالس وهيئات ولجان ومؤسسات الإدارة الذاتية، بهدف تطوير العمل الإداري، وحماية المال العام، وتحقيق للفعالية في الإنتاج ورفع مستوى الكفاءة والأداء، وتسهيل تقديم الخدمات للمواطنين"، بحسب نص القانون.
ودافع العضو في "جهاز الرقابة العامة" ماهر التمران عن القانون، معتبراً أن "الإدارة الذاتية" أرادت لهذا الجهاز أن يكون "المُعزز الرئيسي لقوى المناعة الذاتية التي ستحارب أصول وفروع وحيثيات الفساد ومسبباته على نحو جذري". وبيّن، في تصريح لموقع "المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية"، أن "الجهاز لا يعتبر نفسه جهة ﺗﻨﻔيذية، ﺇﻧﻤﺎ يسعى ليتدﺧﻞ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ اعتباره من ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺓ وﺍلاﺳﺘﺸﺎﺭﻳﺔ والرقابية. وهو جهاز يصدﺭ ﺍﻗﺘﺮﺍﺣﺎﺕ ﻭﺗﻮﺻﻴﺎﺕ ﺇﺯﺍﺀ ﻣﺎ ﻳﺘﻜﺸﻒ له ﻣﻦ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﻧﺤﺮﺍﻑ ﻓﻲ ﺍلمؤسسات ﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ، ويعد ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺑﺘﺒﻴﺎﻥ ﺍﻷﺧﻄﺎﺀ ﻭﺭﺳﻢ ﺳﺒﻞ ﺇﺻﻼﺣﻬﺎ، ويتم إرسالها الى الجهة التي ستقوم بمعالجة القصور والخلل الوظيفي والإداري ووضعها أمام مسؤولياتها وواجباتها أمام مجتمعها والتاريخ"، واصفاً "جهاز ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍلعامة" بمبدأين اثنين هما "ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺔ".
وتحاول "الإدارة الذاتية" الكردية التي تدير شؤون شرق وشمال سورية، بحماية وإشراف من "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، إثبات مشروعيتها في المنطقة، من خلال تنظيم إدارتها بما يشبه المؤسسات. كما بدأت بوضع القوانين واللوائح لتكريس ذلك، إلا أن الكثير من سكان المنطقة، ومعظمهم من العرب، يعتبرون أن قرارات وقوانين "الإدارة" بمثابة أوامر تصدر عن سلطة أمر واقع، غير شرعية أو منتخبة.