حفّار القبور.. ليس "عزرائيل"

حفّار القبور.. ليس "عزرائيل"

26 يوليو 2014
الصورة
يدفع القرويون مبلغاً رمزياً نظراً لمجانية الأرض(كريس هوندروس/Getty)
+ الخط -


يحملُ رفشه ويبدأ بحفر مساحة محدّدة من الأرض، تُناسب حجم الميّت. يتوقف قليلاً ريثما يتمّ إنزاله إلى الحفرة. يتابع عمله ويطمر الحفرة بالتراب. مشهدٌ اعتاد أبو عمر، الذي يُعرف بـ"حفّار القبور"، رؤيته بشكل شبه يومي، إلا أنه لم يُفقده إحساسه برهبة الموت.

لا يعتبر هذا الرجل الأربعيني حفر القبور وغسل الموتى مهنة يمارسها من أجل كسب المال والعيش. بالنسبة إليه، هذا "عمل إنساني بحت". بدأ هذه "الخدمة"، بحسب تعبيره، في قريته منذ كان طفلاً. ففي السابعة من عمره، كان يرافق والده إلى المقابر لزيارة الأموات ويساعده في تجهيز قبر أحد المتوفين الذين أوكلت إلى والده مهمة دفنه. يقول، لـ"العربي الجديد": "كنت أرى الكوابيس ليلاً، فأستيقظ مذعوراً. لم أكن أريد الذهاب إلى المقبرة مجدداً". مع الوقت، لم يعد يخاف الموتى. ويعلّق ضاحكاً: "أفضّل الموت ألف مرة على أخذ حقنة".

أكسبته "هوايته" هذه، على حدّ تعبيره، شعبيّة كبيرة بين أهالي القرية الذين ينادونه بـ"الرجل النحس" و"عزرائيل الأرض"، أو "حفار الموتى". عبارات باتت "لطيفة" على مسمعه، بل مضحكة. ويقول: "أعيش لحظات محرجة ومضحكة في الوقت نفسه. على سبيل المثال، لدى زيارتي أحد المرضى للاطمئنان على صحته، صار أهله يتعمّدون إبعادي عن غرفته. وقال أحدهم مازحاً: أرسلك عزرائيل لأخذ روحه إلى السماء!".

ويتابع أبو عمر سرد قصص أخرى عاشها. يقول: "في إحدى المرات، اتصلت بقريب لي يعاني مرضاً مزمناً للاطمئنان على صحته. شكرتني زوجته وسارعت إلى إقفال الهاتف. وعند ذهابي لرؤيته، شاءت الأقدار أن يتوفى، فبدأت تلومني وتتهمني بأنني السبب في وفاته". ويلفت إلى أن "الطلب عليه لإحياء حلقات الدبكة في الأعراس، يوازي الطلب عليه في المناسبات الحزينة".

رفض أبناء أبو عمر تعلّم "مهنة" والدهم لفقدانهم شجاعة رؤية الموتى ودفنهم تحت التراب. لكن ابنته الصغرى (14 عاماً)، استطاعت التغلّب على مخاوفها وقرّرت المساعدة في غسل الموتى. ويوضح أنه "غالباً ما يقوم الرجال بحفر القبور ودفن الموتى. أما النساء، فتناسبهم أكثر مهنة غسل الموتى".

تختلف هذه المهنة بين القرية والمدينة. يقول علي، الذي لم يرثها بل لجأ إليها بعدما أغلقت أبواب العمل في وجهه، إن "القرويّين يدفعون مبلغاً رمزياً، نظراً لمجانية الأرض وتقديم الخدمات بلا مقابل. أما في بيروت، فإن كلفة الدفن قد تتعدى ثلاثة آلاف دولار أميركي". يضيف أنها "مهنة لا تقل أهميّة عن بقيّة المهن، ودخلها جيّد". ويتابع: "لكل مهنة ميزتها. فيجب على حفار القبور، مثلاً، أن يكون قوي البنية وشجاعاً، نظراً للمشاهد القاسية التي قد تصادفه، مثل الجثث المنتفخة أو المشوهة أو غير ذلك".

في المقابل، يخبر حسين أن حياته "تغيّرت إلى الأسوأ بعدما اختار هذه المهنة التي أبعدت عنه أصدقاءه وكل مَن حوله". حتى إنها جلبت له المعاناة. يقول: "صرت أعاني عقداً نفسيّة كثيرة. هي مهنة كئيبة. يكفي أن تستيقظ على صور الجثث وتنام على البكاء والصراخ. في البداية، لم أكن أمانع، لأنني بحاجة إلى المال. لكنني وجدت نفسي أعيش أحزان الناس ولا أجد مَن يشاركني همومي".

يتابع حسين ضاحكاً: "تعرّفت إلى شابة وطلبت يدها للزواج، إلا أنها رفضت، بسبب مهنتي.  وفي اليوم التالي، استقلتُ واشتريت سيارة أجرة صغيرة. وصارت حياتي أفضل حالاً بعيداً عن روائح البرادات ومشاهد التوابيت الممتلئة بوجوه شاحبة". 

دلالات