حفيد عمر المختار .. الرمز منتهكاً

23 يوليو 2020
الصورة

حافظ خطاب، حفيد عمر المختار، يتحدث أمام السيسي (يوتيوب)

اعتادت أي سلطة عربية جديدة، منقلبة أو غير منقلبة، عسكريةً كانت أو قومجية، أن تحلب آخر قطرة لبن من ضروع رموز مجتمعاتها الأحياء إن وُجدوا، فإن لم تجد، بحثت عن أولادهم أو بناتهم، فإن لم تجد، لجأت إلى الأحفاد أو حتى إلى حاملي الأسرار والأختام من المساعدين أو كتّاب سِيرهم ومذكراتهم، أو حتى إلى الخدم ممن يحمل منهم بعض الحكايات عنهم، حتى وإن كانوا في أرذل العمر، كي يكون ذلك كله صكّا وبرهانا دامغين على حسن سير وسلوك تلك السلطة، وأن الله راضٍ عنها، علاوة على الملائكة، فما بالك برمزٍ نال قسطا كبيرا من الجهاد والبطولة والشرف الإنساني لدى بلاده، والعالم فيما بعد، حينما تم عرض فيلمه "عمر المختار" عالميا وبأبطال عالميين، وقد صار الرمز لدى سلطة بلاده بيضةً من ذهب، أفلا يحق لجار عربي أن يستعير بركة الرمز، ولو حتى من خلال حفيده لساعة أو ساعتين على الشاشات، كي يكون ذلك مبرّرا لحربٍ طالما كرهها الجار نفسه، وأحب السلام جدا، ووعد به العالم كله حتى إسرائيل؟

بدأ عبد الفتاح السيسي في "مغربية 30/ 6" عمله المخابراتي مستثمرا في الرموز، ولم يكن ساعتها خافيا على العيون صورته بجوار صورة ناصر، في تجاور معلن بهدف مضمر بالطبع، وهي أن ثورة 1952 هي الأخت القديمة لـ "30/ 6"، وخصوصا حينما رأت الجموع الصورتين متجاورتين على الأكتاف من ميدان طلعت حرب، وقد توقفت دقائق أمام بوابة الحزب الناصري، قبل الدخول إلى ميدان طلعت حرب. وكان في استقبال الصورتين الزغاريد وثلاثة وزراء داخلية، مع تحريك الأصابع الوسطى لبعض الضباط أمام الكاميرات، فقد تم المُراد تماما.

لم يكفّ السيسي عن لعبة استثمار الرموز وانتهاكها أيضا، وخصوصا حينما قال، في خطاب له، إن الآثار الاقتصادية لحرب اليمن هي التي أنهكت اقتصاد مصر إلى الآن، وذلك بعد ما يقرب من سنوات أربع من احتلاب رمزية ناصر، وكان قد صار رئيسا وتم المراد بالحكم. وها هو يخطّط لحربٍ كان يكرهها بالأمس، فالرجل يريد أيضا أن يذوق حلاوة "المحارب" كباقي الرموز، ناصر والسادات ومبارك، كي يكتمل المعنى بالدم، حتى وإن كان أمام شعب بسيط عربي ومجاور لنا، ولكنه النهم.

كيف مثلا، لا يحفر قناة سويس هو الآخر... هو الهوس بالرموز من دون ضرورة أو حتى جدوى اقتصادية مدروسة. هل لم يشبع السيسي من القفز على الرموز واستعمالها ثم انتهاكها ونسيانها، حتى في الدواليب (جاكيت بوتين الأحمر)، بعد أن يتم له الغرض وينول المراد؟

كانت رحلة السيسي من بداياتها الحقيقية استخداما للرموز الفنية. في منطقة الجيزة العسكرية، تم تدشين أول رسالة لمحمد مرسي، أن ثمار الانقلاب اكتملت، وكانت في وجود عادل إمام وحسين فهمي وآخرين من أهل الفن والإعلام، منهم عماد الدين حسين، كبداية تدشين له مقرّبا من السلطة. ومرّ الأمر على المرحوم محمد مرسي للأسف مرور الكرام. كان ملخص الرسالة له أن الثورة انتهت فعليا. أما البداية الحقيقية للسيسي في استخدام الرموز التي سوف تكون ضد محمد مرسي، فكان اجتماعه بعدد من رموز "6 إبريل"، وعلى الرأس منهم أحمد ماهر، وأخذ بالطبع أحمد ماهر نصيبه من الانتهاك (رمزيا) في السجن، وفي أقسام الشرطة أيضا.

أما أمر الراحلتين فاتن حمامة ورجاء الجدّاوي، فقد كان واضحا الإعداد له تماما، بالقيام بنفسه لتحية فاتن، والبوح بإعجابه لا بفساتين رجاء فقط بل بذوقها أيضا. وفي الحالتين، كان التصفيق مرعبا، واهتزّت له القاعة، ولولا الموت لاستمر الاستخدام بالطبع. أما عن لقائه بالمثقفين، ثم إعراضه عنهم بعدما نال المراد، فظاهر للعيان حتى في عدم زيارته معرض الكتاب كما كان يفعل مبارك. ولم يتبقَّ للسيسي من عزيز له سوى النجم محمد رمضان ومرتضى منصور والفريق القومي لكرة القدم، بعدما وحّد لهم "الزي المدرسي" بمزاجه، فعادوا بهزيمة، وأمد الله في عمر السيدة صاحبة "الحلق"، وبارك الله له في جهود أحمد قذاف الدم وحقائبة الليلية في الشرق الليبي، بعدما أتى له بحفيد عمر المختار على ظهر طائرة.