حضرموت: امتحان عسير لتوازنات المحافظ بين الشرعية والإمارات

12 يونيو 2018
الصورة
تتجاهل الحكومة نسبياً تدهور الخدمات بحضرموت (خالد فزاع/فرانس برس)
+ الخط -

في جنوب اليمن وشرقه، حيث الباب مفتوحاً على مصراعيه للصراع السياسي وتداخل المصالح المحلية والإقليمية، ثمة واقع سياسي مغاير، تشكّل في محافظة حضرموت، كبرى المحافظات اليمنية، منذ تقلّد محافظها اللواء الركن فرج سالمين البحسني منصبه، في يونيو/حزيران عام 2017، ويقوم على التوازن بين متطلبات الحكومة الشرعية ومصالح التحالف العربي. وعلى خلاف ما كان سائداً أثناء حكم محافظ حضرموت السابق، اللواء أحمد سعيد بن بريك، الذي أطاح به الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي مع عدد من المحافظين المقربين من الإمارات إبان أزمة إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال، اعتمد البحسني على سياسة مسك العصا من الوسط، آملاً في الحفاظ على مصالح المحافظة المرتبطة بالحكومة الشرعية من جهة، والمتعلقة بالتحالف العربي، وفي مقدمته دولة الإمارات ذات النفوذ المتصاعد في مديريات الساحل، من جهة أخرى.


وعُرف عن البحسني منذ تعيينه على رأس المحافظة، ذات الموقع الاستراتيجي والمخزون النفطي الكبير، عزوفه عن الحديث السياسي والعمل بديناميكية عالية على الملفات الخدمية والأمنية، تحاشياً لمصير من سبقه في المنصب، والذي دفع ثمن أحاديثه السياسية المثيرة للجدل. واستفاد البحسني، ذو الخلفية العسكرية والجامع بين منصبي قيادة المنطقة العسكرية الثانية ومحافظ حضرموت، من الصراع الذي شهدته مدينة عدن منذ تحريرها، في يونيو/حزيران 2015، فلعب على المتناقضات، مع السماح بهامش بسيط للعمل السياسي وتدخلات التحالف العربي في الحياة العامة، متكئاً على حالة الإجماع حوله، كرجل جاء من خارج القوى التقليدية المثقلة بأعباء الصراع الذي شهده اليمن، منذ منتصف القرن الماضي.

وفي السياق، بدا محافظ حضرموت متماهياً مع الحكومة الشرعية وتوجهاتها، قبل أن يتجلى ذلك بقوة في الحفاوة غير المسبوقة لزيارة رئيس الحكومة، أحمد عبيد بن دغر، إلى المكلا، في إبريل/نيسان الماضي. كما اتخذ الرجل موقفاً حاداً حيال "المجلس الانتقالي" وتجاهل قياداته في المحافظة، تماشياً مع موقف الحكومة في هذا الإطار. لكن هذا التماهي لم يشفع لتُقدم الحكومة دعماً يرتقي إلى مطالب المحافظة ذات الأهمية السياسية والاقتصادية، الأمر الذي فاقم من معاناة المواطنين وتسبب في احتجاجات واسعة بمدينة المكلا قبل أيام، رافقها قطع للطرقات الرئيسية، وهو ما أحرج السلطات المحلية وجعلها في مواجهة الغضب الشعبي. ويشير سياسيون إلى أن امتعاض الحكومة الشرعية من علاقة محافظ حضرموت بدولة الإمارات، خصوصاً في المجال الأمني، هو ما يفسر "تجاهلها" النسبي تجاه تدهور الخدمات، حتى بعد الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وهو ما دفع محافظ حضرموت، اللواء فرج البحسني، إلى انتقاد الحكومة علناً، للمرة الأولى منذ تعيينه، قائلاً إن "دعم الحكومة ليس بالشكل المطلوب، ونطلب منها تحمّل مسؤوليتها في مسألة الكهرباء، ولا يمكن للسلطة المحلية تأمينها بمفردها". وأضاف البحسني، في تصريحات صحافية، أن على الحكومة وضع معالجات للقضايا الأساسية من مرتبات وصحة ومياه وتعليم، وألا تتخلى عنها حتى في أسوأ الحالات. وأبدى استياءه من "إحراج" السلطات المحلية أمام المواطنين، بسبب تخلي الحكومة عن هذه الملفات.



وعلى الجانب الآخر، حافظت السلطات المحلية في حضرموت على علاقة وطيدة مع التحالف العربي، والتعاطي مع التوسع الإماراتي في الساحل، والنفوذ السعودي في مديريات الوادي. وبخلاف الدعم الأمني، بقي ملف الخدمات خارج اهتمامات التحالف العربي، فقد تراجع الدعم الإماراتي للمحافظة مقارنة بما كانت تقدمه أثناء حكم بن بريك. وعلى الرغم من أن الإمارات كانت أعلنت، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، منحة للمحافظة تقدر بـ100 مليون دولار، معظمها مخصصة لقطاع الطاقة، إلا أن شيئاً من ذلك الدعم لم يقدم حتى اللحظة. ويربط سياسيون تراجع الدعم الإماراتي بموقف محافظ حضرموت الرافض للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً وتقييد تحركاته في المحافظة، وهو ما دفع بالمجلس الانتقالي إلى إعلان تأييده للاحتجاجات الأخيرة، واتهام المحافظ بـ"المراوحة والضبابية"، في إشارة إلى العلاقة الجيدة التي تربط البحسني بالسلطة الشرعية ورئاسة الجمهورية. ولا يختلف موقف السعودية في هذا الإطار، فالرياض التي رمت بثقلها في محافظة المهرة المجاورة، تبدو تدخلاتها خجولة في حضرموت، رغم ما تمثله لها المحافظة من عمق استراتيجي وجغرافي. ووفقاً لمراقبين، فإن السعودية ما زالت تتعامل بحذر مع المنطقة، خصوصاً في مديريات الساحل حيث الحضور الإماراتي، تحاشياً لأي نتائج سلبية للتزاحم هناك.

ويبدو أن توازنات السلطة المحلية في حضرموت نجحت في تجنيب المحافظة ويلات الصراع السياسي، لكنها أخفقت في استقطاب الدعم الكافي لتحسين مستوى الخدمات الرئيسية الملامسة لحياة المواطنين. وهنا تثار تساؤلات عن مدى تمسّك البحسني بهذه السياسة أمام امتحان الخدمات الذي يبدو "عسيراً"، في ظل السخط المتزايد في الشارع الحضرمي. إجمالاً، بات من الواضح أن سياسة مسك العصا من الوسط، لم تنل رضا دولة الإمارات من جهة ولا الحكومة الشرعية من جهة ثانية، ما يعني أن مسألة تغيير محافظ حضرموت ربما تكون قد اقتربت، مع نشر تسريبات عن تقديم استقالته، تزامناً مع زيارة يقوم بها وكيل أول محافظة حضرموت ورئيس حلف قبائلها، الشيخ عمرو بن حبريش، صاحب الطموح السياسي إلى الرياض، واجتماعه مع هادي ونائبه ورئيس الحكومة.

المساهمون