حصّة في العنصرية العادية

حصّة في العنصرية العادية

08 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
كان يمكن للمطالعة العنصرية التي أدلى بها مباشرةً على الهواء، قبل أيام، اثنان من أبرز أطباء فرنسا وعلمائها في مجال الأبحاث الطبية (والوصف هو لوسائل إعلام فرنسية)، جان بول ميرا وكاميل لوخت، أن تشكل مناسبة لتشكُّل ما يشبه الجبهة الموحدة الرافضة وجود مثل هؤلاء داخل مجتمع العلماء والأطباء. ولكن الدفاع الذي سارعت "إنسرم"، وهي مؤسسة مصنفة ثانية عالمياً من بين مؤسسات البحث الطبي، إلى تقديمه عن أحد الطبيبين، يفوق فداحة التصريح المتلفَز (يعني أنه لا مجال للتنصّل منه أو لادعاء انتزاعه من سياقه) الذي قال فيه ميرا ولوخت إنه على قارة أفريقيا أن تكون مختبراً كبيراً للقاحات الجاري العمل عليها لفيروس كورونا، أي حقل تجارب كبيراً على فئران ليسوا سوى سكان القارة. وميرا هو رئيس وحدة العناية المركزة في مستشفى كوشين بباريس، بينما لوخت هو مدير "المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الصحية والطبية"، أو اختصاراً "إنسرم" (تذكروا أنه مصنف الثاني عالمياً) الذي سارع إلى الكذب عبر ادعاء أن كلام لوخت (مدير المعهد) مقتطع من سياقه ومشوَّه ويقع تحت خانة "الفايك نيوز" (الأخبار الكاذبة). 
لا بأس في إرهاق القارئ قليلاً بعذاب عنصري مقتضب وإخباره بفحوى المحادثة التي جرت بين الطبيب والعالم الأسبوع الماضي على شاشة تلفزيون "أل سي إي" اليمينية الفرنسية (التابعة لمجموعة تي أف 1). قال ميرا: "دعوني أكون مستفزاً؛ ألا يجدر بنا أن نجري الدراسة (التجارب على اللقاح الجاري العمل على تطويره ضد كورونا) في أفريقيا حيث لا وجود لكمامات وجه ولا لعلاجات ولا لأقسام عناية مركزة؟ مثلما فعلنا في بعض تجاربنا على مرض الإيدز حين جرّبنا أموراً على بائعات الجنس لأنهنّ الأكثر عرضة للإصابة بالمرض ولا يتخذن إجراءات الحماية". هنا، يتدخل لوخت من موقعه كعالِم في الأبحاث الطبية والصحية ويجيب زميله بما يشبه التهنئة: "أنت محقّ، نحن نفكر حالياً في إجراء دراسة موازية في أفريقيا لتطبيق الآلية نفسها التي طبقناها في اللقاح ضد مرض السلّ. سنفكر جدياً في الأمر". انتهت حصّة التعذيب.
ليس ميرا ولوخت، بما تقيّآه من عنصرية معجونة بالفكر الاستعماري، حالة منفصلة عن تاريخ العنصريات ــ العلمية. فالعِلم، ومنه الطب خصوصاً، ليس بأي حال محايداً أخلاقياً، بل كان ولا يزال محل نزاع بين ثنائية الأخلاق واللاأخلاق (لا بمعانيها الدينية): العِلم، والطب تحديداً، كان ولا يزال في أحيان كثيرة سلاحاً رئيسياً في ترسانة الأسلحة الأيديولوجية للهيمنة الإمبريالية، كما يفصّله كتاب دايفيد أرنولد "الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية" (ترجمته إلى العربية ووزّعته سلسلة عالم المعرفة)، مثلما يقدر أن يكون نبيلاً منفصلاً تماماً عن الكولونيالية وعن مصالح شركات الأدوية ومختبرات الأبحاث متعدّدة الجنسيات التي صارت تجسد أكبر تجليات العنصرية العالمية الجديدة على حد ما لاحظه سمير أمين في مؤلفه "ما بعد الرأسمالية المتهالكة". وأفريقيا، بصفتها القارة الأفقر والأكثر عرضة للاستغلال، لطالما كانت حقل الاختبار الأكبر لشركات الأدوية ولجيوش الطب العسكري خلال الاستعمار وبعده. ولفرنسا التي يحمل ميرا ولوخت جنسيتها، تاريخ طبي أسود في أفريقيا لا تنافسها فيه إلا بريطانيا، إذ إن الطب العسكري الفرنسي كان "أداة للمساعدة في إرساء السلطان الفرنسي في أفريقيا والعذر الوحيد للاستعمار" على حد تعبير الطبيب الفرنسي هوبير ليوتي.
مرّ أكثر من أسبوع على المكاشفة العنصرية المتلفزة، وأقصى ما سُجل منذ إذاعة الحلقة، مواقف منددة من لاعبي كرة قدم أفارقة. لا غضب عالمياً، ولا تحركات نقابية في الأوساط العلمية العالمية لمحاسبة الدكتورين، ربما لأن لا وقت إلا لكورونا، أو لأن العنصرية صارت فعلاً عادية.