حصار مزارعي فلسطين... إجراءات الاحتلال تثير تساؤلات حول البدائل

08 فبراير 2020
الصورة
مطالبة السلطة بتسهيل تسويق المزروعات الفلسطينية (Getty)
يجلس نبيل جودة، أحد كبار المزارعين الفلسطينيين في سهول الأغوار، ويتحلق حوله مزارعون آخرون، يتدارسون النتائج المترتبة على قرار حكومة الاحتلال بمنع إدخال المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى الأسواق في الأراضي المحتلة، والرد بالمثل من الحكومة الفلسطينية بمنع إدخال المنتجات الزراعية الإسرائيلية للأسواق الفلسطينية. 

"نحن مع القرار الفلسطيني، طالما كانت الغاية من ورائه وطنية وتحمي أسواقنا وتعزز صمودنا، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، فلا بد من خطوات إجرائية ومدروسة تحفظ للمزارع حقه وتكون قادرة على ضبط الأسواق من حيث الأسعار وجودة ما يعرض فيها"، يلخص جودة الحال في حديث لـ"العربي الجديد".

ويتابع "نحن نتحدث عن أساسيات وهي الغذاء، وليس عن كماليات، لذا فالأمر حساس. هناك مئات الدونمات مزروعة بالكوسا والباذنجان على أساس أنها ستذهب للأسواق الإسرائيلية، فإذا أصر الاحتلال على قراره بعدم إدخالها ولم تحضّر وزارة الزراعية الفلسطينية الأسواق المحلية لاستقبال كل تلك الكميات التي تقدر بآلاف الأطنان، فستكون ضربة قاصمة للمزارعين".

خيارات المزارعين محدودة، كما يشير جودة، ويقول: "إما جمع المحصول وبيعه بخسارة أو إتلافه، أو أن تعوضهم السلطة الفلسطينية، لكن الخطوة الجيدة هي تسويقه بطريقة تحافظ على سعره لحماية المنتج والمزارع والمستهلك على حد سواء".

مطالبات بخطة واضحة
المزارع رمضان الوخمان، الذي يمتلك مزرعة في الأغوار، يرى في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن القرار الفلسطيني يجب أن يكون مدروسا وليس ردة فعل، "فالأمر يتجاوز المناكفات السياسية إلى تأثيره البالغ على قطاع الزراعة الفلسطيني برمته، الذي يعاني الويلات، فلا نريد أن نزيد عليه المصائب، من أجل هذا على الحكومة أن تسهل علينا ترويج منتجاتنا في الأسواق والتخفيف من الإجراءات الإدارية التي يطلبونها، وهي مرهقة ماليا وتستغرق وقتا طويلا. فنحن نضطر أن نذهب يوميا من الأغوار إلى مديرية الزراعة في مدينة نابلس من أجل الحصول على ورقة لإدخال المحاصيل الزراعية إلى السوق".

ويعدد الوخمان مطالبهم الأخرى، ومنها إعادة دراسة أسعار الكهرباء المستخدمة للزراعة، وأسعار الأسمدة والأدوية، وكذلك وضع برنامج يلبي طموح ورغبات المزارعين لحماية مواسمهم، قائلا: "هذه الإجراءات جميعها تخفف عنا وتساعدنا على مواصلة عملنا وتسويق منتجاتنا".

ويبدو أن تفعيل السلطة الفلسطينية لصندوق درء المخاطر هام جدا للمزارعين وخاصة في هذه المرحلة، حيث يدعو المزارع ماجد أبو علي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن تفعّل السلطة صناديق درء المخاطر الزراعية.

ويتساءل أبو علي، الذي يمتلك مزرعة في الأغوار، قائلا: "أليس القرار الإسرائيلي خطرا كبيرا علينا؟ سنرمي مزروعاتنا في حاوية القمامة إذا لم تستوعبنا السلطة وتسهل علينا تسويقها، لذا عليهم أن يفعّلوا هذا الصندوق وأن يضعوا الخطط الواضحة لتجاوز هذه الأزمة".

الاحتلال المتضرر الأكبر
ومنذ أن أعلن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بنيت في 31 من الشهر الماضي، عن قراره بمنع دخول جميع المنتجات الزراعية الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية، بدأت الحكومة الفلسطينية تدرس إمكانية الرد على هذا القرار، إلى أن اتخذت في اليوم الثالث من الشهر الحالي، قرارا مماثلا بعدم إدخال الفواكه والخضار الإسرائيلية والعصائر والمياه المعدنية والمياه الغازية إلى السوق الفلسطينية.

وقررت الحكومة عبر الوزارات والجهات المختصة تطبيق قرارها بدءاً من الخميس الماضي، وفق ما يوضح الوكيل المساعد للقطاع الفني في وزارة الزراعة الفلسطينية أمجد صلاح، في حديث مع "العربي الجديد".

ويؤكد صلاح أن القرار الفلسطيني سيؤدي لبعض الأضرار لدى الطرفين، ولكن في الميزان التجاري الزراعي بين الفلسطينيين والاحتلال، فإن الأخير هو المتضرر والخاسر الأكبر، حيث يصدّر المزارعون الفلسطينيون منتجات زراعية إلى الاحتلال بقيمة 55 مليون دولار سنويا، ويتم الاستيراد من الأراضي المحتلة فواكه وخضروات إلى السوق الفلسطينية بقيمة 300 مليون دولار سنويا، في حين أن الجانب الإسرائيلي هو من بدأ بالحرب الاقتصادية ومنع المنتجات. ويشير صلاح إلى قرار إسرائيلي مماثل اتخذ قبل عامين وردت الحكومة الفلسطينية بالمثل، ما اضطر الإسرائيليين إلى التراجع.

تعزيز صمود المزارعين
يؤكد صلاح أن قرار الحكومة الفلسطينية بشأن الرد على بنيت، كان مدروسا ويراعي إمكانية حدوث خسائر، لكن الحكومة من واجبها تعزيز صمود المزارعين، "إذ في الفترة الحالية الأسواق الفلسطينية قادرة على استيعاب المنتجات الشتوية ولن يكون هناك فائض، وستكون الأسعار مستقرة".

وشكلت وزارة الزراعة الفلسطينية بالتعاون مع الوزارات والأجهزة الأمنية المختصة غرفة عمليات مشتركة لمتابعة تنفيذ قرار الحكومة، ولضمان منع تهريب المنتجات الزراعية الإسرائيلية وبقية المنتجات المحظورة، ولحماية المزارعين وإنتاجهم الزراعي، علاوة على الحفاظ على الأسعار واستقرارها بما يضمن مصلحة المزارع والمستهلك.

وحول إمكانية العمل على حماية المزارعين من قبل الحكومة، يقول صلاح: "نحن نتكلم عن الوضع الموجود حاليا، ولا أحد يستطيع أن يتوقع ماذا سيحدث، لكن الحكومة جادة بتوفير ما يلزم لدعم صمود المزارع، ولا بد من الانتباه إلى أن الجانب الإسرائيلي لم يتصرف بعفوية، بل إن القرار له ارتباطات كبيرة بما يجري سياسيا، منذ إعلان صفقة القرن وضم الأغوار".

وعن التصرف لسد العجز مما تحتاجه السوق الفلسطينية من الفواكه، يؤكد صلاح أن فلسطين لها الحق بالاستيراد من الدول الأوروبية والعالمية والدول العربية، مشددا كذلك على أن غرفة العمليات المشتركة لمتابعة قرار الحكومة الفلسطينية ستأخذ بالاعتبار الحفاظ على عدم ارتفاع أسعار الفواكه ومنع الاحتكار.

من جانبه، يؤكد الناطق باسم وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية عزمي عبد الرحمن، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن السوق الفلسطينية تستورد فواكه وخضروات من إسرائيل بقيمة 300 مليون دولار سنويا، من بينها 135 مليون دولار فواكه، وبالإمكان التريث في استهلاكها إلى حين البحث عن مصادر أخرى.

ويتوقع عبد الرحمن ألا ترتفع أسعار الخضار نتيجة للقرار، موضحا "هناك فائض بالعرض الزراعي، والأسعار ستنخفض لصالح المستهلك، لكن المتضرر هم المزارعون، لكن ذلك مسؤولية وزارة الزراعة والحكومة، والتي ستتخذ السياسات اللازمة بحسب إمكانياتها".