حصار قطر: نموذج لتخبط الدبلوماسية السعودية بعهد بن سلمان

21 اغسطس 2017
الصورة
النفوذ السعودي تراجع بسبب أداء محمد بن سلمان(أوليفييه دولييري/Getty)
+ الخط -
شكّل الحصار الذي فرضه تحالف الرياض-أبو ظبي على الدوحة علامة على أن التخبط الدبلوماسي في السعودية مستمر منذ تولي ولي العهد الحالي محمد بن سلمان منصبه قبل عامين. وفقدت السعودية تحت قيادة بن سلمان نفوذها في لبنان، كما فشلت في إدارة الملف السوري، وتمكنت إيران من بسط نفوذها على اليمن بعد العراق، مما جعل السعودية تخوض حرباً طاحنة لا تسير في صالحها حتى الآن في اليمن.

وفور وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم أوائل عام 2015، خاض ابنه محمد وزير الدفاع آنذاك، حرباً طاحنة في اليمن لاستعادة ما فقدته السعودية من هيمنة على هذا البلد، عقب دعمها لـ"جماعة أنصار الله" (الحوثيين) والرئيس اليمني علي عبدالله صالح، ضد حزب "الإصلاح" في محاولة منها لوقف نفوذ هذا الحزب التابع لـ"الإخوان المسلمين" في اليمن. لكن الحرب في اليمن، والتي تمت بمشاركة الإمارات لدعم الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، لم تكن نزهة كما كان متوقعاً، إذ بعد أكثر من سنتين ونصف السنة وجد السعوديون أنفسهم عالقين في شمال اليمن يحاربون بضراوة مليشيات الحوثيين التي تمكنت من استخدام العتاد العسكري للجيش اليمني لتهدد الحدود السعودية وتفتح جبهة واسعة على طول الحدود. كذلك، استأثرت حليفتها الإمارات بجنوب اليمن، الهادئ نسبياً وذي الموقع الجغرافي المطل على مضيق باب المندب والغني بالموارد أيضاً.

ولم تتحول حرب اليمن إلى لعنة عسكرية للسعودية فحسب، بل إلى لعنة دبلوماسية. وقد تصاعدت الانتقادات التي وجهتها منظمات دولية على رأسها الأمم المتحدة، للضربات الجوية على المدنيين في اليمن، والتي أدت إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى. كما فوجئ السعوديون بدعم الإمارات لانفصال الجنوب عبر "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي شكّل من قبل موالين للإمارات ومناوئين للرئيس هادي. وهذا يعني أن السعودية ستتورط بالشمال اليمني الفقير والمختلف مذهبياً والشرس عسكرياً وجغرافياً بينما تستأثر الإمارات بجنوب اليمن وموانئه المهمة بالنسبة له.


وشكّل محمد بن سلمان في 15 ديسمبر/كانون الأول عام 2015، ما عرف بـ"التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب"، وهو حلف عسكري يضم الدول الإسلامية ويستهدف محاربة الإرهاب. لكن عدداً من الدول أعلنت أن اسمها أدرج في الحلف من دون معرفة منها. وآثرت دول أخرى الانسحاب منه، ليتبين لاحقاً أن الحلف ما هو إلا مناورة دبلوماسية من بن سلمان لتلميع صورته أمام دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، في إطار سعيه المحموم آنذاك لإقصاء ابن عمه محمد بن نايف من سدة ولاية العهد، وهو ما نجح فيه أواسط هذا العام.

وفي لبنان، فقد السعوديون ما تبقى من نفوذهم والذي بنوه بحذر تام في عهد الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز، منذ رعايتهم "اتفاق الطائف" عام 1989 (الذي أوقف الحرب الأهلية اللبنانية)، مروراً باغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، عام 2005، والانسحاب السوري من لبنان آنذاك، وانتهاءً بسيطرة حزب الله وحلفائه على مقاليد الأمور في لبنان، وانتخاب ميشال عون، رئيساً للبنان بعد فترة شغور رئاسي امتدت لسنتين ونصف. كذلك، وجد السعوديون أنفسهم وقد فقدوا القدرة على التحكم في الملفين السوري والعراقي مع تنامي النفوذ الإيراني على الأرض فيهما، مما حدا السعودية لاتخاذ مواقف مفاجئة تمثلت في محاولة التقرب من الحكومة العراقية وبانتهاج سياسة أكثر ليونة مع النظام السوري، وهو ما لم يجد أي قبول من أطراف المعارضة السورية ومناصري الثورة حتى الآن.

وعلى الصعيد المصري، استطاعت الإمارات إضعاف النفوذ السعودي في مصر تدريجياً، على غرار ما حدث في اليمن. وهاجم الإعلام المدعوم من الدولة المصرية الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز عقب قرار السعودية وقف إمداد مصر بالبترول آنذاك، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعانيها السعودية والعجز الهائل في ميزانيتها نظراً لانخفاض أسعار النفط عالمياً. كما هاجموه مرةً أخرى عقب قرار مصر دعم الموقف الروسي في الحرب على مدينة حلب السورية آنذاك، واصفين إياه بالملك "العجوز والخرف"، ومهددين بإعادة الغزو المصري "للدرعية" عاصمة الدولة السعودية الأولى والتي أسقطها والي مصر، إبراهيم باشا. وتلكأت مصر عن إرسال قواتها البرية لدعم السعودية في حربها على اليمن حيث شاركت بدور محدود في القوتين البحرية والجوية، وهو ما يجعلها حليفاً غير قابل للثقة وأكثر ميلاً للسياسة الخارجية الإماراتية من السعودية.


لكن الفشل الأكبر في عهد بن سلمان، ربما يكون قرار فرض الحصار على قطر في محاولة لإرغامها على وقف استقلالية سياستها الخارجية والداخلية والتبعية للسعودية في القرارات كافة. وساهمت الحملة ضد الدوحة في فقدان دوائر صنع القرار الكويتية الثقة بالأمير السعودي الشاب الذي بدأ يعامل منطقة الخليج على أنها منطقة نفوذ خاصة به. كما قامت الكويت للمرة الأولى منذ الغزو العراقي للبلاد عام 1990 باتخاذ سياسات أكثر حياداً في الأزمة الخليجية والقيام بدور الوساطة بين السعودية وقطر، فيما اتخذت سلطنة عُمان موقفاً مشابهاً للكويت، مما أدى لانقسام دول منظومة دول مجلس التعاون الخليجي واقترابها من الانهيار للمرة الأولى منذ تأسيسها بدعم من أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1981.

وعلى الصعيد الدولي، لم تحقق زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للسعودية في مايو/أيار 2017، أي نتائج ملموسة على العلاقات السعودية الأميركية التي تدهورت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، عقب توقيعه على الاتفاق النووي مع طهران في عام 2015. وأبقى ترامب الاتفاق النووي مع إيران قائماً، كما أنه يعاني حتى الآن من مخاطر عزله عن الرئاسة الأميركية في ظل صراعه الشديد مع "الإستبلشمنت".

ووقفت المؤسسات الأميركية وعلى رأسها وزارة الخارجية بقيادة وزيرها ريكس تيلرسون، موقف الحياد من الأزمة مع قطر، وأعلنت رفضها الحصار. كما تبنت وزارة الدفاع الأميركية الموقف ذاته، مؤكدةً على جهود قطر في مكافحة الإرهاب. ووصفت الصحف الغربية الأمير السعودي بن سلمان بالشخص الذي لا يصلح للقيادة كما أنه ورّط نفسه في حروب لا طائل منها. وأعلن الاتحاد الأوروبي رفضه لحصار قطر وهو ما أدى إلى فشل زيارة وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى دول الاتحاد وعلى رأسها ألمانيا التي أكدت أن الحل لا يكون في منطقة الخليج إلا بالحوار وعبر وساطة أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.

المساهمون