حصاد 2019: مشهد فنيّ يلفظ أنفاسه الأخيرة

14 ديسمبر 2019
الصورة
أصالة أحيت سلسلة من الحفلات في المملكة ((جوديث بوروز/Getty)
+ الخط -
لا مفاجآت كثيرة حملها عام 2019 على الصعيد الفنّي في العالم العربي، لا إصدارات غنائية لافتة، وحالة من الإرباك لا تزال تسيطر على المنصّات الخاصة ببث وتحميل الاغاني، وتراجع إضافي على صعيد شركات الإنتاج. فيما تعمل الشركات السعودية على استقطاب مزيد من الفنانين والادّعاء بالانفتاح أمام متلازمة المهرجانات التي استحدثت ووضعت على الخارطة الخاصة لمنافسة مهرجانات الخليج أولاً، والقول إن هيئة الترفيه السعودية باتت تسيطر على المشهد الفني الغنائي كاملاً.

لم يكتب للصفقات التي قام بها رئيس هيئة الترفيه السعودي، تُركي آل الشيخ، على صعيد عقود أو حصرية بعض الإنتاجات الدرامية النجاح، أو الاستئثار بالمشهد الدرامي عمومًا، والسبب هو انفتاح المحطات الفضائية، ومنها المحطات السعودية مثل MBC.

وبالتالي، لم يُجنّد المُنتجون بناءً على الإملاءات السعودية، كما هو الحال بالنسبة للإنتاج الغنائي، ما أدّى إلى محاسبة المغنين كمحاولة أسر لهم وضمان الولاء التام للسعودية، والترويج لهذا الولاء عن طريق مواقع التواصل والمحطات الإعلامية، بهدف الزيادة في تلميع الصورة، وإبراز واقع الانفتاح الثقافي، ولو جاء على أساس صيف وشتاء على سطح واحد، في ظل موجة الاعتقالات التي يتعرض لها مثقفون وناشطون داخل المملكة، بناء على مواقف سياسية معارضة لحكم ولي العهد محمد بن سلمان.

هذا التباين الحاصل يأتي أمام انتصار واضح للمغنين اللبنانيين الذين أسهموا منذ سنة في تلميع صورة الانفتاح السعودي داخل المملكة. قبل أيام، صرّح المغني الكويتي نبيل شعيل من أمام فعالية "موسم الرياض" بأن الجمهور الخليجي أصبح أمام وجهة واحدة في سفره إلى الرياض، نظراً إلى كمية النشاطات التي ترافق مواسم كثيرة استجدت، بعد قرار الانفتاح وإقامة الحفلات داخل معظم محافظات المملكة.

روتانا الابن البار
لم يكن أمام الأمير الوليد بن طلال، مؤسس شركة روتانا الفنية، إلا الدخول في اللعبة. وخلال فترة وجيزة، تحوّل بن طلال إلى الشريك الأوحد في المهرجانات، عن طريق ذراعه الأيمن سالم الهندي مدير روتانا للصوتيات، والذي اختير عضواً في هيئة تنظيم وإقامة الحفلات التابعة لهيئة الترفيه، وهذا ما يعيدنا بالصورة إلى منتصف التسعينيات، عندما اجتاحت شركة "روتانا" عالم الإنتاج الغنائي في العالم العربي، وتحولت مع الوقت إلى شبح أعاق عمل الشركات الصغيرة بين بيروت والقاهرة. لكن، وبعد الأزمة المالية 2008، دخلت روتانا في نفق "الأزمة"، وما زالت تعاني؛ ذلك بسبب سياسة الفساد التي اتبعت خلال 10 سنوات من عملها. يومها قلل الأمير الوليد بن طلال من ضخ المال لتعويم الشركة، وطلب أن تغطي الشركة مصاريفها من خلال المبيعات واستحداث مكتب "مناسبات"، أي الشراكة في عائدات الحفلات التي يحييها الفنانون المنتسبون للشركة.

لعقد من الزمن، لم تُجدِ كل السياسات الخاصة بتغطية شركة "روتانا" لنفقاتها الداخلية، فأقفلت معظم مكاتبها في العالم العربي، وأبقت على مكتب دبي طمعًا بالحفلات، حتى جاء الفرج بعد القرار السعودي بالانفتاح والإعلان عن هيئة الترفيه.

هكذا، باتت السعودية تنقذ سوق الحفلات العربي الذي عانى لوقت طويل بسبب الوضع الأمني العربي عمومًا، إلى جانب استغلال كل من الأزمة السورية والحرب على اليمن وحصار قطر، ليمنح ذلك هيئة الترفيه فرصةً لتزيد احتكارها للفنانين وتوظيفهم داخل المنظومة الجديدة، وفق شروط التعاقد على إحياء حفلات داخل المملكة، وتبني الفنانين الترويج لذلك عن طريق مواقعهم وصفحاتهم الإلكترونية الخاصة، وهذا ما ظهر واضحًا في الأشهر الأخيرة؛ إذ التزم المغنون اللبنانيون بكافة العقود الموقعة ولبّوا، رغم الانتقادات، دعوات إحياء الحفلات في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة تجتاح لبنان الذي تتواصل انتفاضة شعبه منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

هكذا، تودع 2019 أيامها الأخيرة على صعيد الحفلات والمهرجانات، في وقت لم تسجل روزنامة المهرجانات أي فعالية يتم التحضير لها في دول خليجية مجاورة للملكة العربية السعودية، والواضح أن روتانا التي أمسكت بزمام المبادرة السعودية على الصعيد الفني الغنائي والحفلات، باتت تُشكّل البوصلة الوحيدة لهذا النوع من النشاطات الترفيهية، ومنح الأولوية للمنتج السعودي وفق آلية عمل تضمن مصالح الشركة السعودية، وكفالة أرباحها ومصاريفها واستمرارها

الإنتاج الغنائي
كان الإنتاج الغنائي في 2019 خجولاً جداً. الانتقال من السي دي إلى المنصّات الإلكترونية لا يزال مُربكًا بالنسبة للمنتج والمستمع معًا. عمرو دياب ربما استغل ذلك، إذ حاول في إصداره الأخير "أنا غير" (يوليو/ تموز 2019 ) أن يغرد منفرداً، في وقت حقق الألبوم نجاحًا جيدًا على صعيد الاستماع الإلكتروني، لكنه بقي خجولاً على صعيد الشارع عمومًا، وهذا ربما ما يقلق عددًا كبيراً من الفنانين في هذه المرحلة بالذات، الأمر الذي دفع إليسا إلى إعلان نيتها الاعتزال في آب/أغسطس الماضي، بعد إصدار عملها الجديد مع روتانا قريباً.

ورغم أن حيثيات قرار إليسا بالاعتزال شخصية وتتعلق بحرب يشنها تُركي آل الشيخ على صاحبة "كرمالك"، استطاعت الفنانة اللبنانية أن تحقق نسبة جيدة من مجموع حفلات أحيتها، رغم الحظر السعودي ومنعها من إحياء حفلات داخل المملكة. وليس بعيداً، نجحت أصالة في كسب الرهان على إنتاج جديدها "في قربك"؛ إذ خرجت من شرنقة الأعمال التقليدية، وبدلت في أسلوبها الموسيقي الغنائي، لكنها لم تبتعد كثيراً عن الحركة السعودية، فكانت الأوفر حظًا في إحياء مجموعة من الحفلات داخل الفعاليات والمهرجانات، فيما بقي الإنتاج الخليجي على حاله في "الحصرية" لشركة روتانا.

المساهمون