حشد الجماهير رغم التكلفة الباهظة

23 مارس 2019
الصورة
(مصطفى حسونة/الأناضول)
حافظت مسيرات العودة وكسر الحصار على استدامة مقدرتها في حشدها أعداداً كبيرة من الجماهير الفلسطينية للمشاركة بفاعلية والانخراط في المسيرات وما يرافقها من أنشطة وفعاليات، وما زالت بعد عام على انطلاقها تحافظ على زخمها الثوري وقادرة على الاستمرارية والتجدد واستقطاب المشاركين، رغم التكلفة الباهظة التي يدفعها هؤلاء المشاركون من جراء استخدام إسرائيل القوة المفرطة والقمعية تجاههم والتي تهدف بالأساس إلى ترهيبهم وصدهم عن المشاركة في المسيرات والتظاهر، والحقيقة أن المحافظة على بقاء المشاركة الجماهيرية كثيفة ومستمرة بهذا الزخم لم تكن أمراً اعتباطياً ولا محض صدفة، إنما هي ثمرة إعداد متواصل وتخطيط مدروس وعمل في كل الاتجاهات والمحاور تقوم به وتتابعه الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، والتي تم تشكيلها قُبيل الإعلان عن انطلاق المسيرات، وشملت في صفوفها إضافة إلى الأطياف الحزبية المختلفة أعضاء من كافة شرائح المجتمع الفلسطيني.

يبقى الحافز الأقوى لدى الجماهير الفلسطينية والذي يدفع بها للمشاركة في المسيرات هو إيمانها بعدالة قضيتها ورغبتها في الدفاع عن حقوقها وصد الهجمة الأميركية الشرسة التي تستهدف القدس الشريف وحق عودة اللاجئين، وهما من أسمى الثوابت الفلسطينية، ووعي الشارع الفلسطيني بأنه الجدار الأخير أمام تصفية قضيته وإنكار حقوقه يجعله يتقدم للتضحية والفداء بكل إصرار من دون الالتفات للخسائر أو المخاطر المتوقعة، ومما زاد من حرص الفلسطينيين على المشاركة في المسيرات هو ما يرونه من تدافع عربي غير مسبوق في التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وصمتهم أمام إجرامها بحق الفلسطينيين وإبدائهم لموافقة ضمنية على السياسات الإسرائيلية تفضحها تصريحات القيادات العربية، وهذا يضع الفلسطيني أمام ضرورة فعل كل ما يستطيع من أجل إفشال محاولات النيل من قضيته وصموده.

اعتمدت الهيئة الإدارية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار أكثر من وسيلة لحث الناس وحشدهم للمشاركة في المسيرات، وسخّرت لذلك الكثير من الإمكانات، منطلقة من الثوابت والمبادئ الفلسطينية المتوافق عليها بعيداً عن شوائب الاختلاف والتفرق، ومن أشهر تلك الوسائل النداء عبر مكبرات الصوت في المساجد أو عبر ترديد مادة صوتية مسجلة يتم بثها عبر سماعات ضخمة مثبتة على سيارات تجوب الشوارع والمخيمات في كافة محافظات قطاع غزة، ولخطباء وأئمة المساجد أيضاً دورهم الرائد والمجدي في الدعوة للمشاركة في المسيرات وحث الناس عليها، لما يتمتعون به من مكانة وثقة كبيرة عند الناس والعامة منهم على وجه الخصوص الذين قد يكونون أكثر استيعاباً وقبولاً لحديثهم من استيعابهم وقبولهم لحديث أي جهة أخرى، كذلك مشاركة الأكاديميين والسياسيين والشخصيات الوازنة وشريحة كبيرة من التجار وأصحاب الأموال في المسيرات ومخيمات العودة على الحدود واختلاطهم بالمتظاهرين وتفاعلهم مع الأحداث يحفز الآخرين على المشاركة ويزيد من قناعتهم بها، وخصوصاً في شريحة الطلاب والجامعيين والتي هي من أعرض الشرائح في المجتمع الفلسطيني، إضافة إلى دعوة مخاتير العائلات ووجهائها وكبار السن فيها أفراد عوائلهم وحثهم على المشاركة والوجود في مخيمات العودة، وإشراف بعضهم بشكل مباشر على تنظيم المشاركات العائلية ودعوتهم إلى المكوث في خيام تحمل أسماء بلداتهم وقراهم الأصلية التي هُجروا منها.

ويبرز هنا أثر العامل النفسي الإيجابي والمعزز على المشاركة، وخصوصاً لدى الشباب والجيل الذي لم يشهد النكبة الفلسطينية حين يجدون أن كبار السن موجودون معهم في الميدان ويدفعون بهم إليه، ويزداد هذا الأثر والإصرار على المشاركة والمساهمة في إنجاح المسيرات عند مشاهدة كبار السن يرتدون الملابس التراثية التي كانوا يرتدون مثلها في بلداتهم وقراهم وشرحهم مدلولات ألوانها وأشكالها وتحدثهم للمشاركين عن الحياة في البلدات والقرى الفلسطينية قبل النكبة وعن شوارعها ومزروعاتها وتجارتها وأحيائها ومساجدها ومدارسها وأسواقها، وروايتهم لقصص النكبة ومشاهدها في أجواءٍ ومخيماتٍ تشبه إلى حد كبير تلك التي نُصبت بُعيد النكبة والتهجير، وصار ترديد تلك الحكايات والقصص بين الناس والأقران دافعاً وحافزاً للمشاركة في مسيرات العودة والتحلق في تلك الحلقات والاستماع لجزء مجهول من تاريخ النكبة الفلسطينية عبر شفاه كبار السن.

الجانب الإعلامي في حشد الجماهير للمشاركة في المسيرات والانخراط في صفوفها الثورية له حصة كبيرة جداً، وتأثير عظيم لم يغفله منظمو الفعاليات، بل استثمروه أيما استثمار وعالجوه بما يضمن تحقيق أعظم النتائج وأفضلها، فصممت لذلك "بوسترات" شتى وتصاميم بأحجام وأشكال مختلفة تظهر البطولة والإقدام وتَرفع من قدر الأعمال الثورية في مخيمات العودة وتروج لها وتشهرها، ويتم تعليق تلك "البوسترات" على الجدران في الأحياء والأماكن العامة، وتنشر أيضاً عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى نشر مقاطع فيديو ومواد إعلامية تغطّي فعاليات المسيرات وأحداثها ومناقب الشهداء والأفعال البطولية للشباب الثائر، وغالباً ما يتم بث تلك الفيديوهات مرفقة بمقاطع من أغاني الثورة الفلسطينية القديمة والحديثة والتي تعتبر من أهم مكونات التحفيز على مقاومة الاحتلال ومواجهته طوال مسيرة النضال الفلسطيني، وتجدر الإشارة هنا إلى أن نشر تلك المواد وترويجها وما يترتب عليه من ثناء وإشادة ودعم يدفع الشباب للمشاركة في المسيرات ويزيد من حماستهم ويخلق لديهم شعوراً بجدوى المسيرات وأهميتها، وفي ذات الوقت دافعية الشباب الثائر تتضاعف هي الأُخرى عندما يجدون من يهتم بتضحياتهم ويوثقها وينشرها لتصل إلى كل أنحاء العالم، وفي ذات سياق الجهود الإعلامية نجد أن صياغة منشورات الدعوة للمشاركة في مسيرات العودة وكسر الحصار وما يتعلق بذلك من مواد، سواء المذاعة منها عبر مكبرات الصوت أو تلك التي تنتشر عبر الإنترنت وتطبيقاته أو تطبع وتوزع على المارة في الشوارع أو تُعلق على الجدران، يأتي محتواها مستنداً إلى الثوابت الوطنية والبعد الديني والوتر العاطفي وتكون عميقة المحتوى والمدلول وتثير الحماسة والدافعية في النفوس وتتم كتابتها بطريقة تناسب الشرائح والمستويات الفكرية كافة وتقنع أكبر عدد ممكن من الفئة المستهدفة.

ويمكن اعتبار آلية نقل المتظاهرين إلى مخيمات العودة وأماكن التظاهر على الحدود برية كانت أو بحرية، من أهم وسائل تحفيز الناس على المشاركة والانخراط في صفوف المتظاهرين والانضمام للفعاليات، إذ يتم نقل المتظاهرين في سيارات نقل مكشوفة وشاحنات وتكاتك يستقلها الشباب ويصدحون أثناء ذلك بالأغاني والأناشيد الثورية بشكل جماعي ويرددون الهتافات والشعارات الوطنية ويرفعون الأعلام الفلسطينية وصور شهداء المسيرات، وتكون الأجواء حينها مشحونة بالحماسة والمعنويات العالية وأشبه ما تكون بخروج مشجعي فريق رياضي عند فوزه بكأس عالمي.

اجتهدت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار في تأسيس مخيمات العودة على طول الحدود المتاخمة للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعمدت أن تجمع في مرافقها كل ما يرمز للتراث الفلسطيني بكل مدلولاته ومكوناته، وصممت لكل يوم من الفعاليات برامج فنية وتراثية وخطابية سلمية ومدنية مختلفة ومتنوعة، منها الفُلكلور الفلسطيني والدبكة الشعبية والدحية البدوية والشعر والنشيد الوطني وعروض فرق الكشافة والألعاب القتالية كالكاراتيه والكونغفو، وإلى جانب ذلك خصصت مناطق لألعاب الأطفال لتشجيع الناس على الحضور هم وعوائلهم، ونجحت مسيرات العودة وكسر الحصار رغم المعيقات والعقبات التي واجهتها في أن تحافظ على مستوى متقدم من المشاركة الجماهيرية وقد عمل القائمون عليها دون كلل على أن يستمر الزخم الثوري في كل فعالية وأن يطوروا من وسائلهم بالتجديد الدائم والمستمر الذي يجذب الناس من كافة الأعمار والشرائح لصفوف الثوار ويدمجهم معهم، وهي ماضية حتى اليوم في مشوارها الثوري حتى تحقيق أهدافها وتطلعاتها التي انطلقت من أجلها.

تعليق: