حسن حنفي.. في مصالحة الوافد والموروث

28 ابريل 2018
الصورة
(آثار عربية في إشبيلية)

منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، راكم المفكّر المصري حسن حنفي (1935) مدوّنة تشعّبت بها المسائل في أكثر من اتجاه، وتعدّدت داخلها المشاريع من بناء موقف راهن من التراث إلى محاولة استحداث "علم الاستغراب"، وهي مشاريع أثّرت في معالم المشهد الفكري العربي وإن بقي بعضها معلّقاً لا يصل إلى نتائج.

ضمن المؤتمر العلمي "الفينومينولوجيا الهوسرلية.. الإرث ومآلاته" الذي اختتم أوّل أمس في صفاقس التونسية، جرى تكريم صاحب "التراث والتجديد" يوم الإثنين الماضي، حيث جرى استعادة مشواره قبل أن يفسح له المجال لإلقاء محاضرة حول الفينومينولوجيا باعتباره أحد روّاد تأصيلها في الإطار العربي.

الكلمة الأولى كانت للأكاديمي التونسي فريد العليبي التي أشار إلى "غزارة إنتاج حنفي وهو ما يجعل من العسير تلخيصه، خصوصاً وأن فكر حنفي له خصوصية تتمثّل في كونه لم ينحصر داخل أسوار الجامعة". يرى العليبي أنه "يُحسب لحنفي أنه مثّل في القرن العشرين أحد الأسماء التي اشتغلت على ما عُرف بالمشاريع الفلسفية العربية الكبرى التي ظهرت بشكل متوال في عقود النصف الثاني من القرن، مع عابد الجابري في "نقد العقل العربي" و"الطيب تيزيني" في "من التراث إلى الثورة"، فيما حمل مشروع حنفي عنوان "التراث والتجديد". ورغم أن جميع هذه المشاريع لم تبلغ الأهداف التي رسمتها، إلا أن مقارباتها يمكن اعتبارها إحدى أهم تجلّيات التنوير العربي".

الكلمة الثانية كانت للأكاديمي المصري أحمد عبد الحليم عطية الذي أشار إلى كون "حنفي حظي بتكريمات عدة غير أن تكريمه في مؤتمر حول هوسرل له دلالة مختلفة حيث يرتبط حنفي بشكل خاص بهذا الفيلسوف الألماني". يقول "قد لا يكون حنفي أوّل من نقل الفينومينولوجيا إلى العربية لكن له علاقة أصيلة ومتواصلة بها". ويرى عطية أن مشروع حنفي الأهم وهو "التراث والتجديد" يعبّر عن أزمة عربية، أزمة إحياء العلوم الإسلامية وعلوم التراث، وهو في ذلك لا يبتعد أيضاً عن هوسرل الذي ظهر مشروعه كتعبير عن أزمة في العلوم الأوروبية. يختم عطية حديثه بالقول "إن حسن حنفي هو الحالم الأكبر في حياتنا الفكرية"، معدّداً من بين أحلامه "مصالحة الحاضر والتراث، ومصالحة الدين والوطن".

تلت هذه المداخلات محاضرة لحنفي بعنوان "الفينومينولوجيا.. وافد أم موروث؟"، وفيها انطلق المفكر المصري من تساؤل: "إلى أي حدّ أضاف المفكرون العرب إلى تلك الدروس الوافدة عليهم من الغرب، ليست دروس هوسرل وحده، بل دروس ديكارت وهايدغر وماركس ونيتشه وغيرهم كثير".

وحول الفينومينولوجيا، يقول: "هي قضية شخصية عشتها وأعيشها، ويبدأ ذلك من اللفظ هل أقول فينومينولوجيا أو ظاهريات، وكل مصطلح في بلادنا العربية يوجد من يقبله ويوجد من يرفضه، وفي ذلك يتشدّد بعضهم حتى يتحوّل الحديث في موضوع واحد إلى حوار طرشان، وهذا الاختلاف إنما هو دليل على عدم استقرار سواء في عقولنا التي تفكر بالضرورة عبر المفاهيم والأسماء والمصطلحات، وأيضاً في أسماعنا وآذاننا التي لا تدلّنا على أية طريقة نأخذ بها مصطلحات المعرفة ونتداولها".

يرى حنفي أن هذا السؤال البسيط حول اختيار أي اللفظين أنسب يفتح على سؤال أوسع: هل إن ثقافتنا مجرّد مستقبِل؟ أي هل إن الفكر العربي وعاء فارغ ينتظر أن توضع فيه أفكار الآخر كي يبدأ في التفكير؟ يرى حنفي أنه لو سلمّنا بذلك فإننا نستسلم لنظرية الاستشراق حين اعتبر الغربيون أن كل ما هو خارج أوروبا (العرب وغيرهم من غير الغربيين في ذلك سواسية) أرض فارغة تنتظر التنوير والتحضير.

يتابع حنفي: "وحين نقول الفينومينولوجيا العربية ماذا نعني؟ ونفس الأمر حين نصف الكانطية أو الهيغلية أو الماركسية أو غيرها من المذاهب بالعربية، هل المقصود الشروح حولها، أم الترجمات أم التعليقات أو التأليفات حولها، أو ربما التفكير ضمنها". يشير هنا بداية إلى أننا "تحت ضغط ضرورة نقل المعارف بسرعة لذلك يمكن نقل المصطلحات جاهزة وثم الوصول بمرور الوقت إلى كلمات عربية أصيلة". لكنه يلفت قائلاً: "ما ننساه هو أن العقل العربي سبق وأن عاش نفس المسألة. ففي العصر العباسي، أخذ العرب من الفكر اليوناني ثم سرعان ما استقلوا عنه، فقد جرى الاشتغال على الترجمة إلى حين قبل أن يبدع المتفلسفة العرب فكراً خاصا بهم وبحضارتهم وأصبح المصطلح الفلسفي نفسه مجال إبداع، ومنها كلمة فلسفة التي أخذت كما هي في اليونانية القديمة، ثم شيئاً فشيئاً بدأ استعمال مفردة الحكمة أكثر".

يلخّص حنفي كل هذا المشهد قائلاً: "نحن بين ثقافتين؛ ثقافتنا بأصولها الممتدة إلى يومنا هذا، وثقافة الغرب التي أتت لنا أو ذهبنا إليها. وهذا الحال يدفعنا أن نتساءل ماذا نفعل والثقافتان تتداخلان في أذهاننا بشكل دائم؟ ولنا أن نسأل بعد مرور عقود من استجلاب مقولات فلاسفة الغرب هل ما زلنا إلى يومنا هذا مجرّد متابعين وشارحين وناقلين ومعلقين أم إننا بتنا قادرين على التعامل الندّي مع ما يصلنا؟".

يضيف "نحن بين نقلين؛ الأول من القدماء، ذلك الذي نسميه تراثاً ويمكن أن نحدّده بتراث قديم، وهناك نقل آخر من معاصرينا في الغرب، ويمكن أن نسميه بتراث حديث". يعقّب قائلاً: "في الحقيقة لا عيب أن يكون في كل حضارة وافد وموروث، هما فرعان يُغنيان الحضارة معاً، وكأننا ننسى أن المركزية الأوربية تعيش هي الأخرى على هذه الثنائية، حيث تأخذ من موروثها اليوناني أو الروماني أو اليهومسيحي، ولا تتوانى في استعمال الوافد، وقد كان منتج الحضارة العربية في وقت من الأوقات وافداً لديهم أحسنوا تدبيره".

في نهاية محاضرته، رافقت حديث حنفي نبرةٌ عتابية حيث قال: "لا بد من إعادة النظر في أحكامنا حول المشتغلين في الفكر في العالم العربي، فليست الصعوبات تتعلق بما أشرت له من تمزّق دائم بين وافد وموروث، بل أيضاً بالتصنيفات الصغيرة والتي هي أكثرها إسقاطات حيث نميّز بين مثقفينا باعتبارهم أصحاب انتماءات ثابتة، كما نقولبهم في عبارات معظمها دخيل فهذا ماركسي وذاك نتشوي والآخر كانطي أو نقول بأنه سلفي أو رجعي".

وفي كلمة حول الراهن العربي، قال: "جرّبنا أن نثور عن طريق الضباط الأحرار في منتصف القرن الماضي، ثم جربنا أن نثور ثورة شعبية في بداية القرن الحالي، غير أن الثورات انقلبت إلى ثورات مضادة، وبعد أن خضنا معارك الاستقلال تحوّل الوطن المستقل إلى وطن مستبد وفاسد، وبعد كل ذلك لم يبقَ لنا سوى محاولة أن نثور بطرق جديدة عسى أن نستعيد هذه الأوطان، والثورة القادمة ينبغي أن تكون مع المفكرين الأحرار".