حسن حسني عبد الوهاب.. بناء ذاكرة التونسيين

09 نوفمبر 2018
الصورة
(من فعاليات خمسينية عبد الوهاب هذا العام، علي حسياوي)

بعد استقلال تونس عام 1956، كانت الجمهورية الناشئةُ في حاجة إلى اصطناع هُوية ثقافية، تقطع مع الإرث الاستعماري الذي طمسَ معالمها. وفي ظلّ هذا التطلّع الجماعي، يمكن فهمُ الدور الأساسي الذي اضطلع به المؤرخ حَسن حسني عبد الوهاب (1884- 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968)، والذي تحلّ اليوم الذكرى الخمسون لرحيله.

كان عبد الوهاب ضمن المثقفين الأوائل الذين تلقوا مبدأ "الوطنية" في معاهد باريس وجامعاتها، ثم ما لبثوا أن طبَّقوه في الأوساط الفكرية والسياسية لتونس؛ موطِنِهم الأصلي، إذ استفاد صاحب "خُلاصَة تاريخ تونس" من تعليم مُزدوج (عربي- فرنسي) متين، ما انفكَّ يُثريه بتجربة في دواليب الإدارة ومفاصل الدولة، ابتدَأها منذ سنِي الشباب وتوَّج بها مسيرته بعد الاستقلال. فكأنَّه رافق نشوء الوطنية وتناميها، بل وكان ممن أشادها نظاماً فكرياً ومرجعية سياسية. وبوحيٍ منها، خاض معترك العمل الإداري والثقافي لعقودٍ مديدة.

يمكن أن تتلخص مَسيرته في إرادة بناء ذاكرة خاصة بالذاتية التونسية، وإظهار امتدادها التاريخي عبر العهود. وفي سبيل هذا الهدف، سخَّر هذا المؤرخ حياتَه لإبراز مكونات الهوية الوطنية وتشكّل خصوصياتٍ ملموسة لها، حيكَت، على امتداد العصور، بِسِيَر نساء ورجالٍ عاشوا من الطور الروماني والأمازيغي ثم العربي حتى أيامه هو، حين صارت الإيالة الحُسَيْنيَّة (1705-1956) تابعة لما سُمِّي تمويهاً "نظام الحماية". ولذلك توجهت كل آثاره، وقد بلغت الخمسةَ عشر عملاً، إلى إظهار إسهام أعلام أفريقيَّة في كل المجالات. فتوزَّعت جهوده تلك بين التحقيق والتأريخ وإنشاء متاحف تحفظ مخلفات العصور الغابرة. وعليه، يمكن تقسيم هذه المسيرة الحافلة إلى ثلاث محطّاتٍ متداخلة متكاملة.

من جهة أولى، اعتنى عبد الوهاب بالتَّأريخ لماضي تونس السياسي والأدبي. ومن ذلك أنه صاغ، سنة 1908، ما يشبه الـمنهجَ التربوي، عَنْوَنَه بـ"الـمُنتَخب المدرسي في الأدب التونسي"، جمع فيه نماذجَ مما جادت به قرائح أدباء تونس عبر التاريخ. وفي الإطار ذاته، ألَّف سنة 1918 "خُلاصة تاريخ تونس"، ثم "مُجمل تاريخ الأدب التونسي" (1927)، ويُعدّان، إلى أيامنا، المرجع الرئيس في بابهما.

ومن أطرَف ما أنجزَه، في هذا الإطار، كتابُ: "شَهيرات التونسيات"، (1934)، وفيه سلط الضّوء على إسهام المرأة التونسية عبر العُهود المتعاقبة، منذ الدور العربي ثم الأغلبي والعُبَيدي فالصنهاجي والحَفصي، وصولاً إلى الحِقبة العثمانية والعهد الحُسَيني الذي عاش في كَنَفه. وقد أعطى كتابه هذا عنواناً فرعياً: "بحث تاريخي-أدبي في حياة النساء النوابغ بالقطر التونسي من الفتح الإسلامي إلى الزمان الحاضر"، ويندرج في خط التنويه بالمساهمة النسوية التي غالباً ما كانت تُهمَّش، مع أنها من خصوصيات "الوطنية التونسية".

أما "كتاب العمر في المصنفين والمؤلفين التونسيين" (1990) فجمع فيه سِيَرَ مئاتٍ من كتّابِ تونس على مختلف العصور، وهو أضخم إنجازاته. وفي عنوانه إيماءٌ إلى رسالة حياته ومعنى مسيرته التي كلَّفتْه سنين عدداً من التنقيب عن كل الشخصيات الثقافية التي شاركت في بناء "خصوصية تونس"، بوصفها قُطراً مستقلاً.

ولئن بدا مفهوم "الوطنية" اليوم رائجاً لبداهته، فلم يكن كذلك في بداية القرن العشرين، فقد كانت الإيالة وقتئذٍ خاضعةً للحكم العثماني، دائرة في فلك الخلافة الرمزي. ولذلك كان هذا المفهوم جدلياً، تتنازعه الأواصر الدينية المنعقدة بين آحادِ أمة الإسلام، ودواعي الاستقلال عن "الباب العالي" وإظهار التمايز عن ولاياته. ومن جانب آخر، تنامت بواعث الحركة التحررية-الوطنية بعد استشراء الاستعمار الفرنسي، كما احتدمَ إغراء القومية العربية التي كافحت ضدّ قيام كيانات قُطرية.

من جهة ثانية، تخصّص عبد الوهاب في تحقيق نفائس الكتب التراثية، وجُلها، وَفقاً لخطه الفكري، من إنتاج أدباء عاشوا في أفريقيا (تونس) ومنها: "رسائل الانتقاد في نقد الشعر والشعراء"، لمحمد بن شرف القيرواني، وكان من بواكير ما نَشَرَه سنة 1911، ومنها: "مُلتقى السبيل"، أثرٌ مَهجور لأبى العلاء المعري، أخرجه للناس سنة 1912، وكذلك، "وصف إفريقية والأندلس" لأبى فضل الله المعري (1920) وآخرها كتابُ: "آداب المعلمين" لمحمد بن سحنون (1937) وهو من إرهاصات الفكر التربوي العربي، صاغ فيه صاحبُه مناهج التلقين الواجب على الأستاذ معرفتُها، دون إغفال دور التلاميذ، ودمجهم في المسار التعليمي.

تكتسي هذه الأعمال أهمية كبرى لأنها من بواكير الأبحاث الفيلولوجية وتحقيق النصوص التي ينهض بها دارسون عَرَب، وإن بمنهج استشراقي، طوَّعوه لفائدة التعريف بالتراث المحلي. فقد كانت وقتها مَكتبات الجوامع وخزائن العائلات الكبرى تزخر بنادر المخطوطات، ومنه شَتاتِها جَمَعَ عشراتٍ، وحقَّقَ منها ما كان متصلاً بتونس. وهذه المخطوطات هي اليوم من أثمن أرصدة المكتبة الوطنية، تَعرضها في قسمٍ خاصٍ لا يزال يحمل اسمَه.

أخيرًا، توجَّهت همة عبد الوهاب إلى إقامة المعارض وتأسيس المتاحف. ولا نَرانا نُجانب الصواب إن اعتَبرناه "أبَا المتاحف" في الوطن العربي، فهو الذي أسَّس نواتَها، وكانت متواضعةً، استجلب إليها ما يقع تحتَ يده من نفائس المخطوطات وبائد القِطَع النقدية والخَزفية والأقمشة والألواح التي تعود إلى عصور توالت على تونس. فبفضل مكانته في جهاز الدولة وقربه الثقافي والسياسي من "الفكر البورقيببي" تمكَّن من افتتاح خمسة متاحفَ، أربعة منها للآثار الإسلامية، وأشهرها ما أودعه في قصر الرباط في مدينة المنستير من نادر القطع.

أثمرت هذه الجهود الثلاثية مكانةً خاصة حظي بها عبد الوهاب في سني حياته الأخيرة، وبعدها أيضاً. فبعد مرور خمسة عقود على رحيله لا تزال روايته عن تاريخ تونس هي الرواية الرسمية، والتي تضمنها كتاب "خلاصة تاريخ تونس"، وهو مرجع سائر كتب التاريخ المدرسية في تونس منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. وقد احتفت به وزارة الثقافة التونسية في أكثر من مناسبة. فهل حظي بهذا الموقع بسبب تعدّد وظائفه الإدارية والسياسية أم لما لمسه التونسيون من حاجة إلى قراءة وافية عن تاريخهم لم يجدوا لها سبيلاً إلا في كتاباته؟ خصوصاً وأنه جمع بين صورة المثقف الحديث وذلك الذي لا يحيد عن هويته الإسلامية.

تظل مدونة عبد الوهاب عامل إثراء لحس الانتماء الذي يحتاج إلى تعبير فكري وتاريخي يجسده. ولا شك أن الساسة، وعلى رأسهم الرئيس التونسي الأسبق بورقيبة، وجدوا في أعماله ومنهجه ما يثبتون به شرعية مشروعهم، في قراءة معارضة لقراءة المستَعمِر، بل وفي توجهٍ يخالف محيطها. وقد كانت دعوى التباين مبالغاً فيها أحياناً على حساب أواصر الانتماء الإسلامي الأوسع أو العربي-القومي وحتى المغاربي الأقرب.

تعليق: