حسبة الخليل... ذكريات ما قبل الاستيطان الإسرائيلي

الخليل
فاطمة مشعلة
06 ديسمبر 2019
+ الخط -

صادق وزير الحرب الإسرائيلي نفتالي بينت، قبل أيّام، على الانطلاق في مخطط حيّ استيطانيّ جديد في مدينة الخليل الفلسطينية، ما يستوجب هدم "سوق الجملة" أو "الحسبة" الذي سبق أن أغلقته قوات الاحتلال أمام الفلسطينيين.

بحسرةٍ يتذكّر الفلسطيني عبد الرؤوف المحتسب أيام صباه في "الحسبة" في قلب مدينة الخليل القديمة، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، بالقرب من الحرم الإبراهيمي. وتعود الذكريات إثر الإعلان عن المستوطنة الجديدة، وسط سخط كبير بين الفلسطينيين، لا سيّما أبناء المدينة وسكان البلدة القديمة الذين لا تفصلهم عن "الحسبة" سوى أمتار قليلة. و"الحسبة" أنشئت قبل أكثر من 500 عام كسوق رئيسي للخضار في مدينة الخليل، فتستقبل عرباتها ومحلاتها في كل يوم أطناناً من الخضراوات والفواكه بأنواعها المختلفة ومصدرها أراضي الخليل الزراعية، لا سيّما مناطق يطا وبني نعيم. كذلك كانت تستقبل خضراوات وفواكه من جنين (شمالي الضفة الغربية) ومدن الداخل الفلسطيني أو الأراضي المحتلة في عام 1948.

عند سؤال المحتسب عن "الحسبة" أيّام زمان، تغرورق عيناه بالدموع قائلاً: "كنت شقياً لمّا كنت طفلاً. أذكر أنّني عندما كنت في التاسعة من عمري، كنت أقصد سوق الحسبة عندما أكون جائعاً، ولم يكن لديّ مانع من خطف حبّة خيار من على بسطة ما أو حبّة تفاح". هو يشعر بأسى شديد إزاء ما آلت إليه الحال في الخليل، لا سيّما بلدتها القديمة. يخبر أنّه "في إحدى المرّات، وكنت متزوّجاً حينها، رأيت مركبة شحن تنقل حمولة خسّ، فعرضت على صاحبها شراء الحمولة الكاملة لقاء 100 شيقل (نحو 30 دولاراً أميركياً اليوم). وافق، فشعرت بسعادة كبرى، ثمّ رحت أوزّع الخسّ على المحلات القديمة في مقابل الحرم الإبراهيمي، وبعتها في النهاية بسبعة أضعاف الثمن الذي اشتريتها به. تشجّعت زوجتي على الأمر كذلك، وفي اليوم التالي اشترينا حمولة أخرى وبعناها بالطريقة نفسها. وهكذا تمكّنت من جمع مبلغ لا بأس به في غضون ثلاثة أيام فقط". ويتوقّف للحظات قبل أن يقول: "خلص... راح السوق وراح أصحابه".

بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي التي وقعت في فبراير/ شباط من عام 1994، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي "الحسبة" أو "سوق الجملة" على مدى أشهر، ثم عاودت فتحه أمام الفلسطينيين والباعة، لكنّها أغلقت السوق من جديد في خلال انتفاضة الأقصى في عام 2000، وبهذا عمدت إلى قطع شريان الحياة الاقتصادية للفلسطينيين في مدينة الخليل إلى جانب عمليات إقفال مواقع مفصلية بالنسبة إلى سكان البلدة القديمة في الخليل، لعلّ أبرزها شارع الشهداء، بالإضافة إلى إقامة حيّ استيطاني تحت اسم "أبراهام أفينو" في عام 1984.




ويشير المحتسب إلى أنّ إغلاق الاحتلال "الحسبة" أدّى إلى القضاء على حياة عدد كبير من الفلسطينيين، لا سيّما هؤلاء الذين اعتادوا فتح أبواب محلاتهم عند الساعة الثالثة فجراً ليغلقوها عند العصر حين تفرغ من المنتجات". ويتذكّر المحتسب ذلك جيداً، فهو يملك محلاً تجارياً في مقابل الحرم الإبراهيمي على مقربة من "سوق الجملة"، شارحاً أنّ "السوق لطالما كان مكتظاً بالناس ومفعماً بالحياة وكذلك ببساطة أصحاب محاله". يضيف المحتسب أنّه "بعد عملية الإغلاق، اضطر أصحاب المحال إلى نقل تجارتهم إلى خارج البلدة القديمة. آخرون هاجروا إلى خارج فلسطين، فيما توفي كثيرون منهم. لكنّ أحداً منهم لم يتمكّن من الدفاع عن حقه في وجه دولة احتلال متغطرسة".

يقع "سوق الجملة" أو "الحسبة" وسط البلدة القديمة، أي القلب الجغرافي والتاريخي لمدينة الخليل. ويحدّ شارع الشهداء السوق من الجنوب والشرق، إذ إنّه يلتفّ على جانبَين، ومن الغرب مداخل البلدة القديمة الثلاثة وهي خان شاهين وحارة العقابة وحارة بني دار، ومن الشمال خان شاهين من جهته الثانية. أمّا سلطات الاحتلال، فتقيم حاجزاً عسكرياً عند مدخل "الحسبة" وتمنع أيّ فلسطيني من الاقتراب. وإذا فعل، إمّا يُطلق جنود الاحتلال النار عليه وإمّا يتعرّض للاعتقال.

في سياق متصل، يتذمّر الناشطون في وجه الاستيطان الإسرائيلي في مدينة الخليل من ردود أفعال الجهات الفلسطينية، الرسمية وغير الرسمية، حول إعلان دول الاحتلال تحويل "الحسبة" أو "سوق الجملة" إلى حيّ استيطاني قريباً. فيقول رئيس تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في الخليل عماد أبو شمسية لـ"العربي الجديد" إنّ "على السلطة الفلسطينية، وتحديداً بلدية الخليل، تحمّل المسؤولية بما أنّ أرض سوق الجملة مسجّلة باسم البلدية وملكيّة محال كثيرة تعود إليها"، مضيفاً أنّ "فصائل العمل الوطني تتحمّل كذلك مسؤولية في هذا الإطار، لا سيّما في مواجهة تهويد مدينة الخليل". ويشدّد على أنّ "الاستنكار لا يكفي والجميع يُعَدّ مقصّراً مع الخليل".




ويرى أبو شمسية أنّ "الاحتلال اعتمد على خطة مدروسة للسيطرة على "سوق الجملة"، وقد بدأ الأمر بتثبيت البؤر الاستيطانية ثمّ مصادرة السوق الذي يقع وسط تلك البؤر ويربطها ببعضها البعض. كذلك عمد إلى زيادة عدد الحواجز في البلدة القديمة لتبلغ نحو 20 حاجزاً، أبرزها حاجز أبو الريش والكارنتينا، إلى جانب 11 نقطة تفتيش و41 كتلة إسمنتية وخمس بوابات على طرقات البلدة القديمة، عدا عن عمليات الإغلاق الأخرى التي ترتبط بمناسبات من قبيل الأعياد اليهودية". إذاً الاستيلاء على "الحسبة" يأتي من ضمن منهج احتلالي للسيطرة الكاملة على قلب مدينة الخليل والربط ما بين البؤر الاستيطانية في البلدة القديمة وهي "رامات يشاي" و"بيت هداسا" و"أبراهام أفينو" بالإضافة إلى بؤرتَي "بيت ريمانو" و"بيت الزعتري" و"بيت أبو رجب" اللتَين تمّت السيطرة عليهما في خلال الأعوام الأخيرة لربطهما بمستوطنة "كريات أربع" التي أُنشئت في عام 1969.

بالنسبة إلى عبد الرؤوف المحتسب، هو ما زال صامداً في محله التجاري منذ عشرات السنين، لكنّه غير قادر على إخفاء قلقه إزاء الالتهام التدريجي والمخيف للقلب التاريخي لمدينة الخليل. ويقول: "أشعر بوخزة في صدري. لم يتبقَّ شيء في البلدة القديمة... لكنّني سوف أبقى مرابطاً هنا بإذن الله".

ذات صلة

الصورة
فلسطينيون يتظاهرون ضد زيارة بومبيو (العربي الجديد).jpg

سياسة

نظم فلسطينيون اليوم الأربعاء، بعضهم يحملون الجنسية الأميركية، تظاهرة ضد زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لمدينة البيرة الفلسطينية
الصورة

سياسة

حتى اللحظة ليست واضحة لتجار شارع صلاح الدين في القدس، وهو شريان الحركة التجارية في المدينة المقدسة، طبيعة المخطط التهويدي الاستيطاني الذي تعتزم بلدية الاحتلال في القدس تنفيذه في الشارع المذكور من خلال تحويله إلى ممر مفتوح للمشاة فقط.
الصورة

سياسة

التقى وزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني، اليوم الأربعاء، بوزير خارجية دولة الاحتلال الإسرائيلي الجنرال غابي أشكنازي في القدس المحتلة، وذلك بعد أن وصل على رأس وفد بحريني في أول زيارة رسمية لمسؤول بحريني إلى دولة الاحتلال.
الصورة
نورا جردانة

مجتمع

من داخل قصر تحول إلى مركز ثقافي، وسط البلدة القديمة في مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، في فلسطين المحتلة، تمضي مهندسة الديكور الشابة، نورا جردانة، ساعات طويلة يومياً، وهي تعيد رسم تاريخ نابلس في العصور الكنعانية والرومانية وصولاً إلى العصر العثماني