حسابات واقعة آيا صوفيا

16 يوليو 2020
الصورة

أيا صوفيا في اسطنبول كاتدرائية ثم مسجدا ثم متحفا ثم مسجدا (14/7/2020/Getty)

لا يخلو قرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تحويل متحف آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد من دلالات صراع الهيمنة في المنطقة، فالقرار لم يكن معنيا بواقعة التحويل في حد ذاتها، بقدر ما كان يتطلع إلى استخلاص عوائده السياسية والاقتصادية، داخل تركيا وخارجها. من ناحيةٍ، يشكل القرار جزءا من التجاذبات الداخلية، خصوصا بعد خسارة حزب العدالة والتنمية رئاسة بلدية مدينةٍ بحجم إسطنبول، بكل أهميتها السياسية والاقتصادية والثقافية. ولا شك أن استعادة آيا صوفيا هويتها الإسلامية (العثمانية) ينطوي على قدرٍ غير يسير من التوظيف السياسي والانتخابي للواقعة؛ فالرئيس التركي تنتظره معركة انتخابية مصيرية (2023)، و''إنجازٌ'' في حجم تحويل كاتدرائية إلى مسجد سيكون له تأثير بيّن داخل الكتلة الناخبة لحزبه التي يحتفظ داخلها أردوغان بنفوذ واسع، على الرغم من اتساع القاعدة الاجتماعية للمعارضة التركية. وفي ذلك دغدغة للمشاعر الدينية لهذه الكتلة التي ترى في قراره إعادةَ اعتبار، تستحق التقدير، للتراث الإسلامي في تركيا الذي تعرّض، وفق منظورها، لتهميش ممنهج منذ إلغاء نظام الخلافة (1924).

من ناحية أخرى، يبدو الاتحاد الأوروبي، والغرب عموما، معنيا بهذا القرار. ومعلوم أن تركيا تقدّمت بطلب للانضمام للاتحاد منذ عقود. ولتحقيق ذلك، سعت إلى تكييف نظامها السياسي والاجتماعي والثقافي مع منظومة القيم الغربية، فألغت مبدأ إسلامية الدولة من دستورها، وأكّدت على علمانية نظام الحكم، وتبنّت نمط الحياة الغربية بشكل شبه كامل. ومع ذلك كله، لم يُفلح الأتراك في إقناع الاتحاد بالانضمام إليه، على الرغم من التنازلات التي قدموها. وبمرور الوقت، صاروا موقنين أن رفض الاتحاد انضمام بلادهم إليه سببه التخوف من تهديد تركيا، ذات الأغلبية المسلمة والجذور العثمانية، الهوية المسيحية لأوروبا. ومن هنا، يكتسي قرار أردوغان دلالته باعتباره رسالة سياسية إلى الاتحاد، كما لو أنه يلوّح بعزمه على الاستثمار في الإرث العثماني (الإسلامي)، بما يحيل إليه من توترات تاريخية ودينية وهوياتية، تجد مصدرها الرئيسَ في الاحتكاك التاريخي الطويل بين الأتراك وأوروبا، والذي بدأت فصوله بسقوط القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح (1453).

إقليميا، يبدو قرار أردوغان جزءا من الاستقطاب التركي إزاء سياسات المحور السعودي الإماراتي المصري، خصوصا في ليبيا التي يسعى هذا المحور إلى تحويلها ساحةً أخرى لتوليد النزاعات والحروب التي من شأنها إنهاك الحركات الاحتجاجية المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وإذا كانت محاربةُ الإسلام السياسي المعتدل، وضربُ فاعليته التنظيمية والسياسية، يتصدّران سياسةَ هذا المحور في المنطقة، فإن واقعة آيا صوفيا تمثل انتصارا معنويا ورمزيـا للإسلاميين، في مواجهة الاستبداد الجديد الذي يحظى بدعم هذا المحور، فالقرار، وإن كان بلا عوائد سياسية مباشرة، على ما يبدو، إلا أنه قد يمثّل، بالنسبة لتنظيمات الإسلام السياسي، متنفسا معنويا لإثبات الذات أمام إصرار السعودية والإمارات ومصر على استئصال شأفتها.

بالطبع، هناك تكاليف لقرار أردوغان، يُفترض أنه واع بها، فتحويل آيا صوفيا مسجدا يعيد إلى الواجهة فصولا من التوتر الديني والعرقي والهوياتي الذي أعقب الصعود السياسي للعثمانيين وتوسعهم في منطقة البلقان وشرق أوروبا، أبرزها تحويل العثمانيين الكنيسة (المنتمية للتراث البيزنطي المسيحي) إلى مسجد في منتصف القرن الخامس عشر، قبل أن يحوّلها مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف (1935)، في سعي منه إلى تكريس خياراته العلمانية. وبهذا، ينقل أردوغان الواقعة، عن قصد أو غير قصد، إلى منطقةٍ تكون فيها الغلبةُ لهوية دينية وثقافية معينة، دون غيرها من الهويات التي ساهمت في تغذية التنوّع الذي يُفترض أن آيا صوفيا ترمز إليه. ولعل من شأن ذلك أن يساعد على تكريس التنميط الثقافي الذي يتعرّض له المسلمون، سيما في ما يتعلق بسردية عدم تسامحهم إزاء الآخر، ونبذهم الاختلاف والتنوع، وهو ما سيغذّي تنامي الإسلاموفوبيا، ويمنحها هوامش لتدوير مقولاتها وتسويقها، ويُضاعف، بالتالي، من متاعب الجاليات المسلمة في الغرب، التي تتطلع فئاتٌ عريضةٌ منها إلى اندماج سلس وغير مكلف في المجتمعات الغربية.