حزب الله حامي السلطة أمام تحدّي الانتفاضة

حزب الله حامي السلطة أمام تحدّي الانتفاضة

20 ديسمبر 2019
+ الخط -
باتت الانتفاضة الشعبية السلمية في لبنان التي دخلت شهرها الثالث على المحك. أسقطت حكومة تبادل المصالح والمنافع التي ترأسها سعد الحريري، والتي قامت عام 2016 على صفقة ثلاثية، عمادها حزب الله، وأدت إلى تحقيق حلم الجنرال ميشال عون بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، وأعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة. هذه الصفقة بالذات هي اليوم في خطر، والأرجح أن عقدها قد انفرط إلى غير رجعة. ونجحت الانتفاضة في محاصرة مجلس النواب، ومنع انعقاد جلسة لإقرار قوانين مشبوهة للعفو العام عن جرائم مالية وجزائية، ما شكل لأول مرة تحدّيا ونكسة لرئيس المجلس رئيس حركة أمل، نبيه بري، والشريك في السلطة منذ نحو ثلاثين سنة، الذي حاول مرة ثانية عقد الجلسة، ولم يفلح. وقد أفشلت الانتفاضة أيضا ثلاث محاولات لفرض رئيس حكومة من الطبقة السياسية نفسها. كما سجلت الانتفاصة انتصارا آخر بإجبارها رئيس التيار العوني وصهر رئيس الجمهورية، جبران باسيل، على الانكفاء واتخاذ قرار عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، تحقيقا لشعار الانتفاضة "كلّن يعني كلّن" (استقالة جميع المسؤولين في السلطة). 
أضافت هذه الانتفاضة عنصرا جديدا إلى المشهد السياسي هو نجاحها في تحريك الجمهور الشيعي الذي خرج لأول مرة من القمقم، وانخرط قسم كبير منه في الانتفاضة، غير أن الأهم من ذلك كله أن الانتفاضة اضطرت حزب الله أن يكشف عن وجهه الحقيقي، وينبري للدفاع عن السلطة، وحتى عن تركيبة النظام القائم الذي بات جزءا أساسيا منه. هذا هو التحدّي الأقوى والأقسى الذي رفعته الانتفاضة بوجه حزب الله. وفي المقابل، كل هذه الانتصارات التي حققتها تضعها اليوم أمام تحدّي القدرة على الصمود والحفاظ على تماسكها ووحدتها، والأهم عدم الانزلاق إلى خطر العنف الذي يسعى "الثنائي الشيعي" إلى جرّها إليه باستفزازاته المليشياوية اليومية! وفي خطابه أخيرا، حمّل حسن نصرالله الانتفاضة مسؤولية التدهور في 
الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي، ومسؤولية ما سماها الفوضى السياسية، وتحسّر كثيرا على استقالة الحكومة، وركوب بعضهم (الحريري) موجة الاحتجاج الشعبي.
ويسعى حزب الله اليوم لعودة الحريري مجدّدا إلى رئاسة الحكومة، لأنه ما زال يمثل الأكثرية السنية (17 سنيا من أصل 20 عدد نواب كتلته) وبهذه الصفة، يشكل ضمانة لعدم انزلاق الشارع إلى صراع مذهبي سني – شيعي. وثانيا، لأنه قادر على جمع أكبر عدد من الكتل النيابية ضمن الحكومة مثل كتل "القوات اللبنانية" ووليد جنبلاط ونجيب ميقاتي وغيرها التي ليس لها علاقات ثنائية أو مباشرة مع حزب الله. وثالثا لأن الحريري ما زال يتمتع بعلاقات عربية وخليجية، من شأنها ان تخفّف من حدة التوتر بين حزب الله وهذه الدول، ورابعا وهذا هو الأهم ثقة عدد من الدول الأوروبية والغربية، وخصوصا فرنسا والولايات المتحدة، بالحريري ما يمكنه من توفير الدعم الاقتصادي والمالي للبنان بأشكاله المتعددة. وهذا ما هو بأمس الحاجة له حزب الله اليوم، ولو أن هذا الدعم بات مشروطا ومحدودا جرّاء الحصار الدولي والعقوبات التي تفرضها واشنطن على حزب الله. من شأن كل هذه المعطيات والعوامل أن تؤمّن نوعا من شبكة أمان لحزب الله في حال كان الحريري على رأس الحكومة اللبنانية، في وقتٍ يزداد الضغط عليه في سورية والعراق والساحات الأخرى، حيث يوجد ذراع مسلح للنفوذ الإيراني في المنطقة العربية. وهذا ما لا يمكن أن توفره أي شخصية سنية غيره. لكل هذه الأسباب، يفضل نصرالله الحريري رئيسا
للحكومة، وإذا تعذر ذلك أن يسمي الحريري شخصية أخرى تحظى بدعمه.
ما يتمنّاه حزب الله، ويسعى إليه ليس في متناول اليد، لأن حسابات الحريري قد تغيّرت بحكم استنفاد علاقاته مع رئيس التيار العوني التي أكلت من رصيده الشعبي، وزادت من النقمة عليه نتيجة الصفقة التي عقدها مع عون عام 2016، والتي بيّنت أن همه كان فقط السلطة وسيلة لعقد الصفقات، وإعادة إطلاق مشاريعه المالية وتقاسم الحصص، فيما القرار السياسي كان في مكان آخر، أي في يد نصرالله تحديدا. كما تبيّن واضحا التصاق رئيس التيار العوني بحزب الله وتغطيته مواقف الحزب وسلاحه في المحافل العربية والدولية، تماما كما فعل رئيس الجمهورية في غير مناسبة. ولذلك كان قرار الحريري رفض مشاركة باسيل في أي حكومة يمكن أن يترأسها، ما اضطر الأخير أن يقبل على مضض خروجه من أي تشكيلة وزارية.
ويتطلع حزب الله إلى أبعد من الصورة، مدركا أن الخطر الأساسي في العمق هو الانتفاضة التي يعرف أنها تستهدفه ونهجه الشمولي الذي لا يشبه لبنان، ولا علاقة له بالنظام الديمقراطي المدني والحريات، فقد أصبحت الانتفاضة فعلا ثورة عارمة كالنهر الذي يفيض باستمرار، تخفت قليلا ثم تعود بزخم أكبر، وفي كل الساحات، على الرغم من كل محاولات جرّها إلى الفتن، وإعادتها إلى المربعات الطائفية والمذهبية. ليس لبنان طبعا في مرحلة الخروج إلى الدولة المدنية، ولا التخلص نهائيا من آفة الطائفية، ولكن الانتماء الطائفي خرج فعلا من سلوكيات شباب الثورة، وبات الخطاب وطنيا مدنيا اجتماعيا مطلبيا، واضحا وصريحا وحاسما ضد الطبقة السياسية الفاسدة بأكملها. وهذا ما يؤرق حزب الله لأن الانتفاضة لا تستثنيه، إذ هو يعتبر نفسه غير فاسد، ولم تترك له مجالا للنفاذ من أي ثغرة غير موجودة، مثل ثنائية البروباغندا، إسرائيل وسلاح المقاومة، التي حاول نصرالله استعمالها وابتزاز الشباب بها، إلا أنه لم يتمكّن من إلصاق تهمة العمالة بهم، ولا الارتهان للسفارات الأجنبية، كما حاول أن يفعل 
في الأسبوعين الأولين من بداية الانتفاضة، فكانت الاعتداءات على ساحات الاعتصام المركزي في بيروت وحرق الخيم وإطلاق العنان لـ"القمصان السود" في شوارع العاصمة. حاول حزب الله أن ينتهج أسلوب "الترهيب والترغيب"، محاولا شد العصب المذهبي، ومطلقا شعارات بائسة متخلفة ("شيعة شيعة شيعة") مع حليفته حركة أمل، على شكل غزوات التتر، ثم يعود إلى التنصل منها، ولكن من دون نتيجة. ويعود نصرالله، في خطابه قبل أسبوع، إلى تبرئة المتظاهرين من تبعيتهم للسفارات، ومن أن يكون بعضهم حصان طروادة لواشنطن أو مطية لها. أي أنه تخلى عن نظرية المؤامرة! وحرص على القول، في هذا الخطاب، إن "هناك من يسعى إلى الصدام من خلال بث الشائعات، وهذا أمر حصل وندائي للناس اليوم المزيد من الصبر، وإن شاء الله نكون صرنا في نهاية الوضع". عين حزب الله هي على الانتفاضة، يهمّه الاستقرار والخوف من الفوضى الداخلية، ولكنه يخشى، في الوقت عينه، نقاوة الثورة وتماسكها، وعدم قدرته من إحداث خرق فيها أو تفريق صفوفها أو تيئيسها. لا يريد حكومة من لون واحد، على الرغم من أن لديه مع حلفائه الأكثرية لتشكيلها. يريد التلطي بالطبقة السياسية التي بات هو حاميها وباتت هي مدينة له. أما شارع الانتفاضة فيريد رحيل الجميع، ولأنه كذلك فهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهه، لأنه الخطر الأساسي على الطبقة السياسية اللبنانية بأكملها.