حروب وغلاء وأزمات ترهق المواطن الخليجي

17 يونيو 2020
الصورة
(1)
ما إن يخرج المواطن الخليجي من أزمة إلا وتداهمه أخرى، وكأن قدر أهل الخليج العربي أن يعيشوا في أزماتٍ تعتصر مدّخراتهم وتمزّق جيوبهم كي لا تحتوي على شيء، وتهدد أمنهم الوظيفي، وترتفع الأسعار والإيجارات وضرائب القيمة المضافة، وينفتح مضمار السباق بارتفاع الأجور والمرتبات يقابله ارتفاع الأسعار والإيجارات والرسوم. أذكّركم معشر القراء وولاة الأمر في الخليج، من دون تفصيل، بما حل بنا إبّان أزمة الثمانينيات الاقتصادية، لحقت بها أزمة التسعينيات، ثم أزمة مطلع الألفية الثالثة، وتالياً أزمة حصار قطر والحروب الإعلامية والعسكرية الخليجية، وأخيراً أزمة كورونا وما لحق وسيلحق بنا.
(2)
أشعلت بعض دول الخليج حروباً مسلحة في اليمن وليبيا، وحروباً سرّية، مسلحة أحياناً، وما هو أخطر من هذه أحياناً أخرى، تشن في دول القرن الأفريقي والسودان ومصر وتونس وليبيا والجزائر وتركيا ولبنان وسورية. وتستهلك كل تلك الحروب بأنواعها أموالاً طائلة، إلى جانب الابتزاز الأميركي لدول الخليج العربي، أضف إلى ذلك انهيار أسعار النفط بقرار طائش أرعن، لم يحسب حساب عواقبه.
بلا سابق إنذار، وجدت تلك الدول، مشعلة الحروب (العسكرية، والإعلامية، والسرية)، نفسها في أزمة مالية، فالتفتت إلى مواطنيها، تفرض عليهم ضرائب 15% ورسوماً على المعاملات تزيد عن 40% وأحياناً 100%، وأحياناً 150%.
إنهاء خدمات موظفين، فانعدم الأمن الوظيفي، وترتبت على ذلك خسائر كبيرة. تخفيض مرتبات الموظفين، تقول شائعات إنها بلغت في بعض دول الخليج ما يقارب 30%. رفع أسعار استهلاك البنزين وصل في السعودية مثلاً إلى 34.5%، وفي الإمارات ما يزيد عن 11%، ودول أخرى ثبتت أسعار الوقود، منها عُمان وقطر. يقابل ذلك ثبات في إيجارات العقار السكني والمحلات التجارية بأسعار مبالغ فيها، تكاد لا تحتمل، الأمر الذي يؤثر على ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والتعليم.
(3)
إلى مشعلي الحروب والأزمات في الخليج: هل سُمح لمجالس الشورى في بلادكم بمناقشة مشاريع حروبكم وتكاليفها التقديرية، بكل حرية وشفافية، وأجازتها؟ هل حروبكم في اليمن وليبيا، وما 
ذكرتُ أعلاه من حروبٍ سرّيةٍ وعلنية، دفاعية أم توسعية؟ وما هو العائد من شن تلك الحروب؟ هل جلب حصاركم دولة قطر لكم الرخاء والاستقرار، أم رفع بند خسائركم الاقتصادية والسياسية، وحطّ من هيبتكم الدولية؟ إنكم، معشر الحكام، تشنون الحروب بكل أنواعها بلا أهداف وطنية سامية، وتحمّلون مواطنيكم والمقيمين معهم تكاليف تلك الحروب.
الشعب العربي في الخليج خصوصاً، والوطن العربي عموماً، ضد حروبكم المذكورة. الشعب ليس مكلفاً بدفع تكاليف حروبكم الخاسرة التي استفاد منها تجار السلاح ومنظمات تجنيد المرتزقة عبر قارات العالم. بلغت تكلفت مشتريات السلاح في السعودية وحدها 70 مليار دولار عام 2017. وفي عام 2019 ما قيمته 62 مليار دولار. كما صرفت دول الخليج مجتمعة في الأعوام من 2008 إلى 2015 مبلغ 173 مليار دولار في شراء الأسلحة، بينما اشترت إيران في السنوات نفسها أسلحة بـ 900 مليون دولار، وما برحت تشكل لكم قلقاً، فأين سلاحكم وقوتكم في مواجهتها؟ يكتب سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، في مقالته التي نشرها في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، أن الإمارات وإسرائيل تملكان أقوى جيشين وأفضلهما في المنطقة، تسليحاً وتدريباً. والسؤال: لماذا لا يتعاونان لاستعادة الجزر الإماراتية المحتلة (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى)، بدلاً من الحروب العبثية في أقطار عربية؟
(4)
في معمعة الحرب على وباء كورونا، عالمياً وخليجياً، أدركت دول الخليج خلل التركيبة السكانية فيها، وراح بعضها يحاول معالجته بطرائق أحسب أنها تزيد المشكلة تعقيداً. والرأي عندي، في هذه المسألة ومسألة الأزمة المالية التي نعيشها، يرتكز على عدد من الأركان:
أولاً) في جانب التركيبة السكانية: يجب اتخاذ قرار بإلغاء وظائف جميع العمالة المنتشرة في الأسواق التجارية وإقاماتهم، الذين مهمتهم جمع مشتريات الزبون ووضعها في أكياس عند دفع الحساب. وكذلك العمالة في مواقف السيارات أمام المجمعات التجارية والمستشفيات، وكذلك في الأسواق العامة. يشكل هؤلاء عبئاً على الدولة، وأعدادهم لا يستهان بها، فضلاً عن العمالة السائبة الهاربة والغائبة عن الأنظار. العمل على تحويل محطات وقود السيارات إلى النظام "الآلي"، والاستغناء عن العمالة فيها إلا في الحد الأدنى. إنهاء إقامات جميع المقيمين من غير العرب، والذين بلغوا الستين عاماً. تحديد عدد العمالة المنزلية بحسب حجم العائلة والحاجة. تحريم المتاجرة بالتأشيرات. تطبيق نظام النسب بين القوى العاملة، فنسبة العمالة الآسيوية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المصرفية أعلى من نسبة العمالة العربية، وهذا مضرّ بالأمن الوطني، من حيث الأمن واللغة والسلوك والعادات والتقاليد.. إلخ. التفكير في ترحيل من بلغ الستين عاماً من العرب من الخليج عمل لا يليق بنا، فمعظم هؤلاء عاشوا سنين طويلة بيننا، وكانوا منتجين، ولهم ذرية أيضاً معظمهم ولد على أرضنا يعيشون ويعملون، وهم قوى منتجة بيننا، فإلغاء إقاماتهم ليس من أخلاقنا، نحن أهل الخليج أهل الوفاء. إنهم يدفعون تكاليف إقامتهم وعلاجهم وتعليم أبنائهم، فلماذا الجفاء؟
التضييق على المقيمين العرب بتخفيض دخولهم، وتعظيم الرسوم المالية عليهم، بغرض إجبارهم 
على الرحيل، سيلحق أضراراً كبيرة على كل الصعد، فطلاب المدارس الخاصة ورياض الأطفال من أبناء المقيمين العرب، وأصحاب هذه المؤسسات مواطنون. وكذلك معظم الأطباء والعاملين في العيادات الطبية الخاصة، وسكان المجمعات السكنية ذات الأجور المرتفعة، هم من العرب. القوة الشرائية الاستهلاكية عربية وأصحاب المجمعات التجارية والصالات الرياضية وغيرهما مواطنون.
ثانياً) الجانب المالي: في تقدير الكاتب، إذا كان ولا بد من تخفيض المرتبات والأجور، فيجب النظر إلى أهل المداخيل الأعلى التي تزيد عن مائة ألف ريال/ درهم أو ما يعادلها بالدينار. إلغاء تأمين إقامة هؤلاء في فنادق خمس نجوم طوال عقدهم إن كان يزيد عن شهر. الابتعاد عن المساس بامتيازات الأطباء وأساتذة التعليم العام والجامعي والممرضين من الجنسين.
إذا كان الهدف تقليل الإنفاق، نظراً إلى انخفاض أسعار الطاقة، فأول البنود الواجب إلغاؤها للسنوات العشر المقبلة هو الإنفاق على التسلح، وإنهاء الحروب، بكل أنواعها، المموّلة خليجياً، والكف عن تبذير المال العام، فهو ملك الشعب. خصم 30% أو أكثر أو أقل قليلاً على دخل إنسان يبلغ عشرة آلاف ريال شهرياً مبلغ كبير، وهذا إجراء غير عادل، ولا يليق بأهل الخليج العربي والجزيرة العربية.
آخر القول: الوجود العربي في الخليج ضمانٌ لأمن دوله، وإلا تصبح مثل سنغافورة التي أصبحت دولة المهاجرين الصينيين، أو فيجي التي سيطر عليها المهاجرون الهنود الذين تبلغ نسبتهم 50% من السكان الأصليين، فهل من معتبر؟