حروب صغيرة

حروب صغيرة

25 فبراير 2015
كل ما يخرج عن العنف السائد يدفعنا للبهجة(فرانس برس)
+ الخط -
للطبيعة قدرة هائلة على تذكيرنا بلحظات كم نحن مجرمون بحق أنفسنا. لم يحتج الأمر إلى كثير من الجهد، لتمتلئ شاشاتنا ومواقع التواصل الاجتماعي، بصور الثلوج التي انهمرت على جبال وسواحل عدد من بلدان المنطقة. بلحظات، اختفت صور القتل، وقصص العنف التي نخرت رؤوسنا على مدى أعوام. مشهد قاسٍ. كنا نحتاج لفعل الطبيعة هذا، لتذكيرنا كم أن هذا العنف قتل أحلامنا. منذ سنوات ولم يعد لأحلامنا الصغيرة مكان بيننا. صار "داعش" هو الحاضر في جلساتنا العائليّة. حول عنفه تدور نكات تسعى لكسر "هيبة" أراد أن يُكرّسها في رؤوسنا. لا ينحصر العنف هنا في "داعش".

تحضر صور الأجساد الهزيلة، والعظام الناتئة، لمعتقلين جوّعهم النظام السوري حتى الموت، في ذهني أكثر مما تحضر صورة ابني لحظة ولادته في المستشفى منذ سنة وشهرين. أمرٌ مرعب. أتذكرون تلك الصورة للجموع في مخيّم اليرموك للاجئين السوريين، لحظة إدخال المساعدات إليه بعد حصار النظام السوري والمليشيات الداعمة له، المخيم لأشهر. لم أصدقها للحظة الأولى. اعتقدت أنها صورة فنيّة.

يحضر العنف في حياتنا أكثر من أي شيء آخر. تحوّل تذكّر الأحلام إلى مهمّة صعبة. هي أحلام صغيرة وجميلة. لم يعد لها مكان. بات من المستحيل، الحلم بجولة في السيارة من بيروت إلى إنطاكيا. أمّا الترف بعينه، فهو أن يحلم أحدنا بالإقامة في مكان لا يبحث جيرانه فيه عن هويته الدينية. أجبرنا العنف المحيط بنا من كلّ صوب على التخلي عن حلمنا بدولة مدنية.
صار أقصى ما نتمناه دولة تحترم مواطنيها. نحن الترجمة المباشرة لهرم ابراهام ماسلو. الأولوية اليوم لتأمين حاجتنا اليومية، ثم حاجتنا إلى الأمان والاستقرار. أما تطوير النظام وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير المزيد من المساحات الخضراء وجودة التعليم الرسمي والحريّة وغيرها، فهي أحلام استطاعت الأنظمة الرجعية، والمليشيات الدينيّة من قتلها. باتت عقولنا هشّة لدرجة أن أي حادث يخرج عن العنف السائد، أكان فعلاً طبيعياً كالثلوج، أو مباراة كرة قدم، أو مشهداً كوميدياً بسيطاً، يدفعنا لأن نبتهج بشكلٍ استثنائي.

المساهمون